Beacon of Beirut

زميلي بعالم الانترنت موليكو عم يكتشف ناسو وأرضو، وبذات الوقت عم يقرر يضلّ بلبنان شو ما صار. وآخر مكتوب منّو بيقول جملتين، قصار، بس عرفت من هالجملتين القصار انو نحنا طالعين من هالازمة الرهيبي بقوة عزم شبابنا.

بهالمناسبي حبيت اهدي موليكو شي عن بيروت، ففتشت بمحفوظاتي القديمي، لقيت هالمقال المحفوظ عن النهار بتاريخ الجمعة 17 تشرين الاول 2003، بعنوان بيروت بين منارتين للنائب السابق بهاءالدين عيتاني. صحيح ما عشت الايام يللي عم يحكي عنها السيد عيتاني، بس بالايام يللي عشتها على المنارة لها طعم جميل جدا، طعم لبنان:

“فيما كنت اشارك في احتفال تدشين المنارة الجديدة، تلفتُّ نحو المنارة القديمة التي اطفأت انوارها الى الابد، تاركة لخليفتها مهمة انارة الطريق للسفن المتجهة نحو ميناء بيروت الذي ارتبط تاريخ العاصمة وازدهارها بتاريخها. فلميناء بيروت موقف خاص في ذاكرة البيروتيين، ومنزلة مميزة في وجدانهم. فالميناء هي التي تضخ البضائع على انواعها من شتى بقاع الارض الى اسواق المدينة، فمنها يأتي بالكساء والغذاء، وآخر بما صنعه الغرب السبّاق، وهي التي فتحت الكثير من ابواب الرزق الحلال حتى قبل “رزق البحر… بحر” انها بوابة البحر الى البر، وحامية الدور المزدوج، فمنها يسافر الاحباب الى ما وراء البحار… الى المجهول، ومنها يعود الاحباب بعد طول غياب ولوعة الانتظار. كان البيروتيون يرصدون حركة البواخر، تغدو وتروح، فالرائحة تحمل قطعة منهم، والعائدة تحمل عزيزاً طال انتظاره. وبين الميناء والمنارة علاقة عضوية، فالمنارة تهدي البواخر الحاملة في احشائها شتى انواع البضائع، والميناء تقدم لها المرسى الامين.

ومع انطفاء انوار المنارة القديمة، ينطفئ عصر بكل ما فيه من ذكريات وعادات وتقاليد ونمط عيش، عندما كانت بيروت في حجم قرية كبيرة. وكان البيروتيون كناية عن عائلة واحدة، يعرف واحدهم الآخر بالاسم والكنية والحسب والنسب، وكانت الارض مرجاً أخضر، تغطيها بساتين الخسّ والفجل والبطاطا ومختلف انواع البقول، فلا زفت اسود ولا اسمنت كالح، وكان الجو عابقاً بروائح اشجار الزيزفون وعطر زهر الليمون والياسمين ممزوجة برائحة التراب الذي منه خلقنا واليه نعود.

رؤية المنارة القديمة تُطفأ انوارها الى الابد، ايقظت في نفسي الحنين الى البيت البيروتي القديم الذي لم تكن طبقاته تزيد عن طبقتين يربط بينهما سلم خشبي تتصدره بركة ماء، حولها شجرة “بوصفير” واخرى “يوسف افندي”، وفوق سطحه عريشة او صندوق خشبي اليه تأوي اسراب الحمام، بعد مطاردة خفيفة يقوم بها”الكشّاش”. ولكشاشي الحمام في بيروت القديمة قصص تروى، في زوايا المقاهي وعلى ارصفة الازقة. ومن تذكارات تلك الايام الحلوة، ايام البساطة العفوية والايمان الصادق البعيد عن التعصب والعصبيات، رمل الظريف، رمل البطركية، و”اربعة ايوب”، وطائرات الورق تحلق في سمائها مشدودة الى الارض بخيوط الكتان، تقبض عليها انامل فتيان صغار بملابس زاهية ملونة، عيونهم الى السماء، واقدامهم على الارض يتصايحون ويتراكضون، وكل يحاول ان يجعل من طائرته الاعلى، واذا هوت احداها الى الارض تراكضنا جميعاً لنستطلع الخبر، ونساعد صاحبها على اقلاعها من جديد، واذا انقطع خيط احداها، وسحبها الريح الى حيث لا عودة، فتلك الطامة الكبرى.

كانت دكاكين الاحياء، عبارة عن غرفة ضيّقة دقت في حيطانها رفوف خشبية تعلوها بضعة مراطبين تحوي “ملبس” متعدد الالوان، او “بزر وقضامي” مبلولة من الرطوبة وتنامي الايام، ونعومة ومعللاً ودواليب هواء، اما بقية الحاجات فمكانها في محال اسواق ابو النصر، والنورية، واياس، والطويلة الخ، والرابط بين اسواق المدينة واطرافها، الترامواي، وكان لتلاميذ المدارس تعرفة خاصة مخفضة بموجب اشتراك شهري يدعى “الباس”، وكان حاملو هذا “الباس” من الطلاب المميزين، وعلامة وجاهة ويسر، يتباهون به، وكثيراً ما كانوا يرفضون ابرازه للجابي، ويكتفون بكلمة “باس” وعلى الجابي ان يصدّق وينصرف وإلا “عركت”.

كانت منطقة الروشة القريبة من بيتنا قفراً الاّ من بعض البساتين ترعى فيها قطعان الماعز، وكان الراعي يجول بقطيعه الصغير في الاحياء منادياً حليب… حليب، فنتراكض نحوه حاملين القصعة وبضعة قروش، نملأها بالحليب الطازج ونعود بها الى البيت حيث تقوم الوالدة “بتفويرها” على بابور الكاز، ثم تسكبه في صحوننا المنتظرة، نتناوله مع شيء من الخبز او الكعك. مع انطفاء المنارة القديمة وانطلاق ضوء المنارة الجديدة، يولّي عصر البساطة والامانة والدعة، ويشرق عصر جديد يحمل للناس الكثير من وسائل الرفاهية، وأسباب التقدم، ووسائل المعرفة، ولكن بثمن باهظ ندفعه من صحتنا واعصابنا، وهدوء البال، وسبحان مغيّر الاحوال.

2% من اللبنانيين

مؤسسة pew research العالمية، والتي تتكل عليها كبريات الوسائل الاعلامية ومراكز البحث، سألت 17000 شخص من دول عربية واسلامية عن مدى ثقتهم او ايمانهم برمز الارهاب بن لادن. ثم قارنت الارقام التي حصلت عليها بشهر أيار 2003. فقط 2% اللبنانيين الذي وجه اليهم السؤال أجابو انهم يؤيدون اعمال بن لادن. وكان هذا الرقم قد هبط من 14% بأيار 2003.
وفي التقرير أيضا ان بن لادن حصل على 60% من الاردنيين و51% من الباكستانيين في ارتفاع ملحوظ عن الاعوام السابقة، ولكن بالاجمال هبطت نسبة الواثقين ببن لادن، حيث ان الارقام قد أظهرت هبوط الثقة فيه في اندونيسيا والمغرب وتركيا ولبنان.
التقرير يتحدث ايضا عن نسبة التأييد او رفض منع الحجاب، النظرة الى الاسلام والمسيحيين واليهود، القلق تجاه الاسلام المتطرف، وغيرها من المواضيع. كل التقرير بالانكليزية هنا.

كلب الآنسة

بقلم شربل بعيني

سائق تاكسي لبناني، كان يهمّ بالرجوع إلى مسكنه، بعد أن انتهت فترة عمله الليلي، فإذا به يسمع صوت فتاة اللاسلكي يعلن عن وجود زبونة تحتاج إلى سيارة تاكسي تنقلها إلى المستشفى حالاً.
وكمعظم اللبنانيين، فقد دبّت الحميّة في عروق السائق المسكين، وتوجّه إلى العنوان المذكور، والنعاس يفتك بعينيه، ليجد صبيّة شقراء، لـم تناهز بعد السادسة عشرة من عمرها، تحضن طفلاً صغيراً على صدرها، لا يظهر منه شيء، وهي تبكي وتقول:
ـ يا حبيب قلبي.. لا تخف، بعد دقائق سنصل إلى المستشفى.
ـ لا تخافي ـ قال السائق اللبناني ـ الموسم موسم إنفلونزا.. غداً سيصبح بخير.
ـ آه يا حبيبي آه..
ـ غطّه جيّداً.. الدنيا برد..
ـ أرجوك أسرع.. أسرع أكثر..
ـ يا ستّ.. كم كأس حجامة، ويمشي الحال..
ـ ماذا تقول؟
ـ صحيح.. أنتم لـم تسمعوا بعد بالحجامة..
ـ لم أسمع أبداً بهذا الدواء!
ـ المحجمة كأس زجاجية نضع بداخلها ورقة شاعلة، ثم نلصقها على ظهر المريض، فتمتص البرودة، ويتعافى بسرعة البرق..
ـ يا إلهي.. وهل هذا مسموح بأستراليا؟
ـ لا.. ولكنهم يتداوون بها في الشرق.. كما أنني جربتها بوالدتي العجوز هنا، ولكن تجربتي لم تنجح معها، فنقلتها إلى المستشفى، وعندما عاينوا النتؤات الحمراء على ظهرها، خافوا كثيراً، حتى كادوا أن يدخلوني السجن.
ـ معهم ألف حق..
ـ يجب أن تحترموا عاداتنا الشرقية في هذه البلاد..
ـ قبل أن نحترم عاداتكم، عليكم أن تحترموا قوانيننا، وهذا للأسف لم يحصل بعد.
ـ قصدك.. نحن أبناء الفوضى؟
ـ أنا لم أقلها.. أنت قلتها..
ـ كل شعب له عاداته، فأين العجب إذا مارسنا عاداتنا؟
ـ أين المستشفى؟ أرجوك أسرع..
ـ سنصل.. لا تخافي.
ـ شكراً..
ـ كم عمر المحروس؟
ـ سنتان..
ـ أراك صغيرة جداً للزواج.. هل هو طفلك الأوّل؟
ـ أنا لست متزوّجة..
ـ إنّها موضة العصر.. البارحة ركبت معي بنت من عمرك، تحمل طفلاً من عمر ابنك، ولـم تكن متزوّجة أيضاً!
ـ هذا ليس إبني يا أستاذ..
ـ إبن من إذن؟
ـ إنّه كلبي (راكس)..
ـ كلبك؟!.. لقد طيّرت النوم من عينيّ خوفاً على كلب. أأنت مجنونة؟
ولكن، حرصاً منه على سلامة الكلب المريض، وعلى مراعاة حقوق الحيوان في أستراليا، لـم يتوقّف، بل توجّه بها إلى مستشفى الكلاب، بعد أن كان متوجّهاً بها إلى المستشفى المختص بنا نحن أبناء آدم، ولسان حاله يردد:
في ناس بتتمنى تكون
كلب مدلل بالأَحضان
ولا تبقى بعالـم مجنون
الإنسان بيقتل إِنسان

طول عمرك يازبيبي بط…هالعوده

أراقب بعد كل هزة أرضية/أمنية في لبنان ردود فعل السياسيين وهم من المفروض أن يكونوا بوصلة البلد سياسيا,ومن المفروض أيضا أن
يكون لديهم رؤيا بعيدة لمستقبل الوطن المهزوز . ويلفت انتباهي من بين جميع السياسيين المهزوز …. و

بيروت بين منارتين

زميلي بعالم الانترنت موليكو عم يكتشف ناسو وأرضو، وبذات الوقت عم يقرر يضلّ بلبنان شو ما صار. وآخر مكتوب منّو بيقول جملتين، قصار، بس عرفت من هالجملتين القصار انو نحنا طالعين من هالازمة الرهيبي بقوة عزم شبابنا.

بهالمناسبي حبيت اهدي موليكو شي عن بيروت، ففتشت بمحفوظاتي القديمي، لقيت هالمقال المحفوظ عن النهار بتاريخ الجمعة 17 تشرين الاول 2003، بعنوان بيروت بين منارتين للنائب السابق بهاءالدين عيتاني. صحيح ما عشت الايام يللي عم يحكي عنها السيد عيتاني، بس بالايام يللي عشتها على المنارة لها طعم جميل جدا، طعم لبنان:

"فيما كنت اشارك في احتفال تدشين المنارة الجديدة، تلفتُّ نحو المنارة القديمة التي اطفأت انوارها الى الابد، تاركة لخليفتها مهمة انارة الطريق للسفن المتجهة نحو ميناء بيروت الذي ارتبط تاريخ العاصمة وازدهارها بتاريخها. فلميناء بيروت موقف خاص في ذاكرة البيروتيين، ومنزلة مميزة في وجدانهم. فالميناء هي التي تضخ البضائع على انواعها من شتى بقاع الارض الى اسواق المدينة، فمنها يأتي بالكساء والغذاء، وآخر بما صنعه الغرب السبّاق، وهي التي فتحت الكثير من ابواب الرزق الحلال حتى قبل "رزق البحر… بحر" انها بوابة البحر الى البر، وحامية الدور المزدوج، فمنها يسافر الاحباب الى ما وراء البحار… الى المجهول، ومنها يعود الاحباب بعد طول غياب ولوعة الانتظار. كان البيروتيون يرصدون حركة البواخر، تغدو وتروح، فالرائحة تحمل قطعة منهم، والعائدة تحمل عزيزاً طال انتظاره. وبين الميناء والمنارة علاقة عضوية، فالمنارة تهدي البواخر الحاملة في احشائها شتى انواع البضائع، والميناء تقدم لها المرسى الامين.

ومع انطفاء انوار المنارة القديمة، ينطفئ عصر بكل ما فيه من ذكريات وعادات وتقاليد ونمط عيش، عندما كانت بيروت في حجم قرية كبيرة. وكان البيروتيون كناية عن عائلة واحدة، يعرف واحدهم الآخر بالاسم والكنية والحسب والنسب، وكانت الارض مرجاً أخضر، تغطيها بساتين الخسّ والفجل والبطاطا ومختلف انواع البقول، فلا زفت اسود ولا اسمنت كالح، وكان الجو عابقاً بروائح اشجار الزيزفون وعطر زهر الليمون والياسمين ممزوجة برائحة التراب الذي منه خلقنا واليه نعود.

رؤية المنارة القديمة تُطفأ انوارها الى الابد، ايقظت في نفسي الحنين الى البيت البيروتي القديم الذي لم تكن طبقاته تزيد عن طبقتين يربط بينهما سلم خشبي تتصدره بركة ماء، حولها شجرة "بوصفير" واخرى "يوسف افندي"، وفوق سطحه عريشة او صندوق خشبي اليه تأوي اسراب الحمام، بعد مطاردة خفيفة يقوم بها"الكشّاش". ولكشاشي الحمام في بيروت القديمة قصص تروى، في زوايا المقاهي وعلى ارصفة الازقة. ومن تذكارات تلك الايام الحلوة، ايام البساطة العفوية والايمان الصادق البعيد عن التعصب والعصبيات، رمل الظريف، رمل البطركية، و"اربعة ايوب"، وطائرات الورق تحلق في سمائها مشدودة الى الارض بخيوط الكتان، تقبض عليها انامل فتيان صغار بملابس زاهية ملونة، عيونهم الى السماء، واقدامهم على الارض يتصايحون ويتراكضون، وكل يحاول ان يجعل من طائرته الاعلى، واذا هوت احداها الى الارض تراكضنا جميعاً لنستطلع الخبر، ونساعد صاحبها على اقلاعها من جديد، واذا انقطع خيط احداها، وسحبها الريح الى حيث لا عودة، فتلك الطامة الكبرى.

كانت دكاكين الاحياء، عبارة عن غرفة ضيّقة دقت في حيطانها رفوف خشبية تعلوها بضعة مراطبين تحوي "ملبس" متعدد الالوان، او "بزر وقضامي" مبلولة من الرطوبة وتنامي الايام، ونعومة ومعللاً ودواليب هواء، اما بقية الحاجات فمكانها في محال اسواق ابو النصر، والنورية، واياس، والطويلة الخ، والرابط بين اسواق المدينة واطرافها، الترامواي، وكان لتلاميذ المدارس تعرفة خاصة مخفضة بموجب اشتراك شهري يدعى "الباس"، وكان حاملو هذا "الباس" من الطلاب المميزين، وعلامة وجاهة ويسر، يتباهون به، وكثيراً ما كانوا يرفضون ابرازه للجابي، ويكتفون بكلمة "باس" وعلى الجابي ان يصدّق وينصرف وإلا "عركت".

كانت منطقة الروشة القريبة من بيتنا قفراً الاّ من بعض البساتين ترعى فيها قطعان الماعز، وكان الراعي يجول بقطيعه الصغير في الاحياء منادياً حليب… حليب، فنتراكض نحوه حاملين القصعة وبضعة قروش، نملأها بالحليب الطازج ونعود بها الى البيت حيث تقوم الوالدة "بتفويرها" على بابور الكاز، ثم تسكبه في صحوننا المنتظرة، نتناوله مع شيء من الخبز او الكعك. مع انطفاء المنارة القديمة وانطلاق ضوء المنارة الجديدة، يولّي عصر البساطة والامانة والدعة، ويشرق عصر جديد يحمل للناس الكثير من وسائل الرفاهية، وأسباب التقدم، ووسائل المعرفة، ولكن بثمن باهظ ندفعه من صحتنا واعصابنا، وهدوء البال، وسبحان مغيّر الاحوال.

عفوك يا ألله

بقلم شربل بعيني

لقد دمعت عيناي وأنا أشاهد على التلفاز تفجيرات لندن اللئيمة، وما أحدثت من دمار، وما حصدت من ضحايا أبرياء، لبّوا نداء ربّهم: (حيّوا على الفلاح)، فهبّوا إلى أعمالهم، والإبتسامات تسبقهم، والآمال بمستقبل أفضل تلفهم، فإذا بأيدي الغدر تنصب لهم الأفخاخ، وتجندلهم أفراداً وجماعات، دون أن تميّز بين طفل أو كهل أو رجل أو امرأة، أو بين مسلم أو يهودي أو مسيحي أو لا ديني، همها الخراب، وكان لها ما أرادت.
ولأن الإرهاب مقرون دائماً باسم الإسلام بغية الدفاع عنه، ودحر القوى الصليبية التي تبيت له الشر والإضمحلال، كما تدعي (قواعده)، تألمت أكثر حين شاهدت معاناة العائلات المسلمة في بريطانيا، إثر (غزوة لندن) التي تبنتها حتى الآن جماعتان، إحداهما جماعة أبي حفص المصري. فلقد كانت كل عائلة تحمل صورة ابنة أو ابن أو أخت أو صديق، فقدوا في تلك الغزوة اللعينة.
حاولت جاهداً، عبر الشاشة طبعاً، أن أكفكف دموع والد (شاهرا إسلام)، الصبية التي لم تقفز بعد فوق ربيعها العشرين، ولم تنعم بالحياة التي وهبها إياها الله، فإذا بيد الغدر تمتد عبر الضباب لتخنق الإبتسامة المشعة كوجهه تعالى، ولتشوه تعاليمه السماوية، التي ما دعت إلا للتآخي، وما نادت إلا بالمحبة، وما بشّرت إلا بالإنسانية، وبتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان بتناغم أخوي وغبطة بشرية.
كانت (شاهرا إسلام) تفتخر باسم عائلتها، تكسر حرف الألف بلكنتها المحببة، وتسكن السين، وتمد اللام والميم، لتأتي كلمة (إسلام) متجانسة، متماسكة، ومحببة، فإذا بتلك (الغزوة)، التي يصفها المجرمون (بالمباركة)، تبعثر اسم عائلتها المحبب إلى قلبها، وتبعثر أيضاً آمال عائلتها بوجودها حية ترزق.
وما قلته عن (شاهرا) أقوله عن الشابة المسلمة (نيتوجان) زوجة الشاب (علي جوس)، الذي يدور، كمجنون ليلى، في شوارع لندن، بحثاً عن حبيبة قلبه، ورفيقة دربه دون جدوى. فلقد عمل (علي) جاهداً على تلاقي الأديان، والتقريب فيما بينها، وترأس مجلساً محلياً لهذه الغاية، فإذا بتنافر الأديان يجرفه، ويجرف حبّه، ويخطف ربّة منزله، ويقضي على آخر أمل له بتلاقي الأديان السماوية.
وماذا عن الشاب الفرنسي الجزائري (سليمان إيهاب) الذي لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره، فلقد وصل بريطانيا قبل ثلاثة أسابيع، لتمحو آثاره (غزوة لندن المباركة)، وتقضي على زهرة شبابه، لا لشيء، إلا لأنه ذهب إلى عمله كالمعتاد، لتوفير نفقات عيشه في غربة جديدة، فلم يرحموه.
ومثلما أصيب الشاب الجزائري أصيبت الطالبة التركية المسلمة (جامزي جون أورال)، فلقد وصلت لندن منذ أسابيع قليلة لتدرس اللغة الانكليزية، وتضيف إلى لغتها الأم لغة عالمية ثانية، تساعدها على تحقيق أحلامها، وتفتح أمامها عالماً ثقافياً واسعاً، فإذا بمخالب الإجرام تخفي آثارها، وتقضي على ربيع أحلامها.
أتمنى أن يعود هؤلاء المسلمون الأبرياء، وكل الأبرياء المفقودين، من أي دين كانوا، وإلى أي بلد انتسبوا، إلى عائلاتهم، وأحبائهم، ليخبروا الكون أجمع عن إجرام عقائدي، لن يهلل له إلا القتلة والمجرمون، ولن يقبله أي إنسان كامل، ولن يرحب به كل ذي عقل ودين، فكم بالحري، خالق الإنسان على صورته ومثاله، عفوك يا ألله.. عفوك يا ألله.

Batroun – Road of Flowers

courtesy of sasar.blogspot.com

الارض لوحات حرارية

الاردن Courtesy of NASA Landsat Project Science Office and USGS National Center for EROS
القمر الصناعي لاندسات-7 لقط صور حرارية لكوكب الارض في مهمة ارسلته الناسا لدرس المتغيرات الجغرافية ولفهم افضل لموارد كوكبنا السائرة الى اضمحلال. وفنانو الناسا حولوا الصور الى لوحات فنية رائعة. الصورة اعلاه من الاردن ولا تنسى مشاهدة الصحراء السورية. كليك على صور الموقع من اجل الصور الكبيرة.

lawhat.com


محاولات لا بأس بها للفنان ريمون غالب الذي ينشر صوره على الانترنت بموقع يحكي القليل عن أعماله، ولكن اللوحات أنيقة وجميلة عن البترون وشاطئها الذي يعد من اجمل الشواطئ على الساحل اللبناني. ولقد نقل ريمون أيضا رسومات لبيوت البترون الرومانسية بممراتها الشهيرة منذ أيام الفينيقيين.

مسرحية: خلصت اللعبة

بقلم شربل بعيني

منذ 35 سنة، كتبت مسرحية (خلصت اللعبة)، وهي تتكلم عن الانتخابات النيابية في لبنان بطريقة غنائية وكاريكتورية ساخرة، وكنت قد نسيت هذه المسرحية بين أوراقي، إلى أن حصلت الإنتخابات النيابية الأخيرة، فرأيت أن أطلع القراء عليها لطرافتها.. وإليكم المسرحية

غابة القموعة

غابة القموعة

فهل أستطيع أن أصف الإحساس عندما تصطدم بجسمي غيمة؟… أم عندما أسير في طريقٍ فوق الغيوم؟… أم عندما أتعارك مع الرياح العاتية في الممرّات الجبلية الضيقة؟… أم عندما أعتقد أنّي أعرف مختلف أنواع الأزهار والأشجار والطيور والحشرات، فأجد في كلّ زيارة أنواعاً جديدة؟…

هل أستطيع أن اصف إحساسي وأنا أسير هناك مرتّلاً: " أراك إلهي أراك… في كلّ ما صنعته يداك… فأنشد فيك الهدى يا إلهي… ويملأ قلبي سناك…"؟…

اقرأ المقال كاملا على موقع Kamoua National Park

الاسكندر وحصار صور (2)

"تستطيع تقديم الذبيحة لهرقل في معبده القائم بالمدينة القديمة." أجاب الصوريين.

"لا يستطيعون الهزء بي، شكّلوا وفدا آخر، وسأكون واضحا اكثر هذه المرّة." أمر الاسكندر

وعلى الاثر توجه وفد جديد يعرض على صور التحالف مع الاسكندر منبها اياهم انهم كانوا حلفاء للفرس وسيدخلون بحرب مع الاسكندر اذا رفضوا طلبه. ولم يتأخر الصوريون بالجواب حيث رموا كل اعضاء الوفد من اعالي السور على الصخور باسفل الاسوار. مما جعل الاسكندر غاضبا بشدة، خاصة وان من اعضاء الوفد أصدقاء له وأبناء نبلاء مقدونيين.

يومان وجمع الاسكندر مهندسيه وقواده العسكريين من أجل التشاور وأعطاهم الامر بدك المدينة القديمة واستعمال الحطام لبناء ممر معبّد يربط المدينة البرية بالمدينة البحرية التي تبعد 3 كيلومترات. وكانت هذه الفكرة، اي بناء ممر حجري، قد جاءته من كتاب لمؤرخ من صقلية يدعى كسينوفون الذي شرح حملة حصار لملك سرقسطة في صقلية، الذي بدوره هجم على مدينة فينيقية أخرى، واخبر الاسكندر قواده كيف نقل الملك آلات الحصار عبر ممر وأغرق سفن للوصول الى اسوار المدينة الفينيقية "مويا".

وسرعان ما بدأ تدمير المدينة القديمة وتعالى صراخ الناس اللذين طردوا من منازلهم. وعلى الاثر بدأ دك حيطان المنازل وتدمير سقوفها, واستعملت الات الحصار لدك المدينة. وفي الايام التالية قامت فرق من قاطعي الاشجار بالصعود الى الجبال القريبة لتقطع اشجار الارز من اجل الحصول على الالواح اللازمة لبناء ابراج الحصار.

ليلا ونهاراً عمل المحاصرون على بناء الممر البحري. عربات عديدة تجرها الثيران والبغال عملت على نقل حطام المدينة لردم البحر. ومن على الاسوار العالية كان سكان صور يضحكون ويهزؤون من المقدونيين. ولكن وبنهاية الشهر الرابع توقفوا عن الضحك.

وفي صباح , قرب الفجر, صدم حراس المدينة عندما رأوا آلتيي حصار ضخمة بارتفاع خمسين متر تتقدمان على الممر بصرير هائل يصم الاذان باتجاه اسوار المدينة. وكانا من أكبر آلات الحصار الذي شاهدوه في حياتهم . ولم تلبث الالات أن بدأت برمي كرات نارية, مباشرةً بعد وصولها بالاضافة الى صخور هائلة الحجم مسببتاً الدمار والفزع داخل المدينة.

ورّد الصوريون مباشرةً عبر قذف المقدونيين بالسهام, خاصة الذين يعملون بردم الممر وتسيير الات الحصار. ولكن الاسكندر أمر بوضع سقوف خشبية متحركة مغطاة بجلود الحيوانات الغير مدبوغة حتى لا تتعرض هذه الصفوف لاشتعالها. لذلك استمر العمل ببناء الممر التعرض لاي توقف وبدون خطر السهام والحريق. وكلما امتد الممر في البحر استطاعت الات الحصار رمي مقذوفاتها بدقة اكثر مسببة بدمار اكثر. مما جعل خطر دك اسوار المدينة يقترب اكثر واكثر.

أشطر إمرأة عربية

بقلم شربل بعيني

صديقي تاجر أقمشة وألحفة وما شابه، يمتاز عن باقي التجّار بسرعة التصرّف والبديهة.
ذات مرّة، اصطحبني معه لبيع لحاف واحد فقط لسيّدة عربية تعتقد أن اللـه، سبحانه وتعالى، لـم يخلق امرأة ذكيّة مثلها. وبعد أخذ ورد، وفلفشة ثلاثة ألحفة زرقاء وحمراء وذهبيّة، من نوعيّة واحدة، وسعر واحد، قالت:
ـ إنشاء اللـه تكون أسعارك أرخص من السوق..
فتمتم صديقي، وهو يتطلّع بالألحفة:
ـ طبعاً.. طبعاً..
ـ ما سعر اللحاف الأزرق؟
ـ سبعون دولاراً..
ـ والأحمر؟
ـ مثله تماماً.. سبعون دولاراً..
فبدأت أم الذكاء تتأفف، وتنظر إلى اللحافين الأزرق والأحمر وتقول:
ـ أنت تعرف، يا غليظ، أنني أحب الأشياء الغالية الثـمن، فلماذا جئتني بلحافين من نفس الفصيلة، والنوعية، والسعر؟!
ـ الألحفة العربية في أستراليا متشابهة تقريباً، لأن معملاً واحداً يصنعها، يملكه أحد المهاجرين اليونانيين..
ـ يوناني.. ويشد ألحفة عربية؟.. ليس بإمكانك أن تضحك علي.. أنا أشطر إمرأة في هذه البلاد، أسست جمعية المرأة العربية في أستراليا..
ـ لقد نجحت هذه الجمعية كثيراً.. وفجأة اختفت من الوجود..
ـ لأن كل امرأة فيها تطمع بالرئاسة..
ـ أليس هذا من حقّهن؟
ـ الرئاسة من حقي أنا.. أنا وحدي.. فأين كنّ هؤلاء النساء عندما أسست الجمعية؟
ـ ألا تسمّين هذا استبداداً؟
ـ لو لم تكن في بيتي، لطردتك حالاً.. أنت تاجر وقح..
ـ أنا آسف.. لقد نسيت أننا عرب، وأن العربي لا يتخلى عن رئاسته إلا بانقلاب دموي أو بزيارة عزرائيل له..
ـ عزرائيل.. عزرائيل.. لقد بدأت تخيفني، أرجوك إحمل ألحفتك، وارجع لي مرة ثانية..
ـ أرجوك اسمعيني..
ـ لا أريد أن أسمعك.. أنا أشطر امرأة في هذه البلاد.. أنا أخت الرجال.. أنا أم الذكاء.. أنا..
ـ يا أخت الرجال.. اللحاف الذهبي بانتظارك.. أتريدينني أن أفلشه أمامك؟
ـ طيّب، طيّب، ما سعر اللحاف الذهبي؟
هنا، تطلّع بي صديقي وهو يبتسم ابتسامة خفيّة، كي لا تنتبه لها أم الذكاء النادر، وقال:
ـ مئة دولار.. لا تنقص ولا تزيد..
ـ العمى.. إنه أغلى بثلاثين دولاراً من الأزرق والأحمر..
ـ أنت تعرفين، ولا شك، أن أسعار الذهب مرتفعة جداً في هذه الأيّام..
ـ قصدك البترول؟
ـ البترول ذهب أسود أيضاً، وأسعاره لا تطاق.
فحدّقت أختنا بالألحفة الثلاثة مليّاً، كأنّها تطبع عليها نظرها، وراحت تشتم الذهب الأصفر والأسود والبورصة والأسهم التجاريّة والناريّة، وتقول:
ـ معك حق.. أسعار الذهب لا تطاق في هذه الأيّام.. ومع ذلك سأشتري اللحاف الذهبي.
فتمتم صديقي مرّة ثانية، وهو يبعد اللحافين الآخرين عن الذهبي المختار:
ـ مبروك يا مدام..
وما أن غادرنا البيت، ودخلنا السيّارة، حتّى انفلشنا من كثرة الضحك، وصديقي يغنّي بأعلى صوته:
الستّ بتفهم يخزي العين
مأَكد في براسا عقلَين
عقل بيسوى جحش كبير
والتاني ما بيسوى بسين

سعيد عقل: أنا عظمة لبنان

أنبش في أرشيفي القديم كلما أردت ان اهدىء أعصابي في الايام التي لا افهم ماذا يدور بها. وها احدى المقابلات القديمة مع سعيد عقل تحضر أمامي. وكان هادي محمود قد كتب في مجلة "الزمان الجديد" لقاؤه المدهش مع المبدع الكبير:

من الصعب ان تحاور رجلا مثل سعيد عقل، انه يدفعك جانبا الي أروقة السؤال، ويحاصرك رافعا سبابته في وجه الجهل، وتبقي في نظره تلميذا الي ان تنجح في تلمس خطواتك وأنت تتجه الي عصره. الشاعر بعض منه، لكنه بكليته، معلم وخلاق وصاحب عصر حضاري، والآخرون علي حسب تصوره ــ خارج عصره ــ مجرد طلاب لا يجيدون القراءة والكتابة، أما طلابه فعليهم ان ينصاعوا وهو يعيد بناء نسيج أدمغتهم والأفئدة.

ثم قال، أنا خمسة:

الأول: أنا شبه اختصاصي بماهية أيل في الشرق يسمونه الله. ولكنني اسميه أيل وهو أقدم اسم للخالق، وقد شع من عندنا، من مدينة جبيل.. اختصاصي ايل هو الذي لا يكتفي بأن يقر بوجود الخالق وبأن يحبه ويعبده، ولكنه يصل الي حد معرفة ماهيته، ومعرفة ماهيته هذه تجعله يحاول ان يحاكيه ولو عن بعد.

الثاني: أنا شاعر، ولكن لا أي شاعر، أنا أنتمي الي ضرب معين من الشعراء هو الضرب الذي يسمي الواحد منه شاعر معرفة شاعر معرفة هو الذي ما أن تقرأ به، تشعر ان وراءه العلم، والفلسفة، واللاهوت والفن، اذا… لا هذا الشاعر الذي يوجعه قلبه او الذي خانته حبيبته وراح ينحب ويندب حظه أنا لست هذا الشاعر. شاعر المعرفة، ذاك المثقف ثقافة شاملة تذهب من ذرة الي ايل الخالق. لكن نتاجه حول هذا الأمر الضخم مقدم الي الناس بشكل جوهرة الجمال.

الثالث: أنا أبو ما أخذوا يسمونه في وطني لبنان، لبنان العظمة ذلك أنني كمطلع علي تاريخ الحضارة تسني لي ان أكتشف ان بلادي لبنان هي اساس الحضارة. وهكذا أدرس لبنانا غير اللبنان الذي تقرأ عنه في كتبنا التربوية. أدرس ما أسميه لبنان العظمة وهو بلد ذو أرث أتوقع ان يدرس ذات يوم في المانيا وفرنسا وايطاليا علي قدم المساواة مع تدريس ماهية ايل والرياضيات.

الرابع: أنا صاحب حركة قائمة علي تسريع الزمن بواسطة ثورتي اللغة والحرف.

خامسا: أنا خلاق قيم، وخلاقو القيم هم أفراد صنعوا التاريخ أكثر من كل فئة أخري.

ذكرت قيما معظمها متداول علي انه صحيح هو قيم معظم هذه المفاهيم التي ذكرت أنا أتخطاه وأعده غير خليق بعصري. واحد من هذه المفاهيم العدل، وله اسم آخر: الحق وفي كل جامعة من جامعات العالم كلية اسمها كلية الحقوق. أنا أعد ان هذا ينبغي ان يلغي. وبعد الآن يضارب علي شيء أهم من الحق، ويكون ذلك من ضمن خطوتين:

الأولي وهي الخطوة التمهيدية ان نستبدل كلية الحقوق في الجامعات بكلية الواجبات. فحين لا يقوم ولي الأمر بواجبه، يضطر المظلوم للمطالبة بحقوقه، عندما نعلم الواجبات لا يعود ثمة مظلوم يطالب ولي أمره بحقوقه. بعد ان نعلم الواجبات بدلا من الحقوق، ينبغي ان نلغي الواجبات ونوصل الفرد في المجتمع الي ان يعيد بناء ذاته ليكون خلاقا.. في ديوان لي بالفرنسية أقول: الخلاق لا يطالب، ما يريده يحققه قبل ان يريده.. ومار لبولس يقول: لا عبراني ولا اغريقي، لا ذكر، ولا أنثي لا عبد ولا حر.

يقول عقل:
لم أخضع.. منذ طفولتي وفي مراحل الدراسة المبكرة، كانت المعلمة تعلمنا الأبجدية الفرنسية وألف ياءها، وفي التلفظ جاء تلفظ حرف لا يشبه صوته وصورة كتابته فرفضت تلفظه علي ما هو متعارف عليه وتمسكت بتلفظه كما يقرأ، وجدت المعلمة انني مجرد طفل مشاكس، فهددتها بنفوذ والدي وهو أحد الممولين للمدرسة، ولتسوية الأمر تدخلت المديرة وقالت لي: كان ينبغي ان يتلفظ الحرف كما تقول، لكنها لغة الفرنسيين وعلينا مجاملتهم.
قلت لها باصرار: متي كبرت سأجعل تلفظ هذا الحرف.. كما أتلفظه الآن، وكبرت ووضعت ألف ياء سعيد عقل التي تطبق مبدأّ بسيطا هو ان كل تلفظ لحرف ينبغي ان يكون له صوته، وابتكرت حرفا هجائيا ليس له مثيل بالضبط في كل لغات العالم، وقال فيه العلامة فؤاد البستاني، ان حرف سعيد عقل لكل لغات العالم هو أكمل حرف موجود اليوم.

عانسة.. أكثر من آنسة

بقلم شربل بعيني

رسائل كثيرة وصلتني، كتعليقات، على المقال الذي نشرته منذ أسبوعين تقريباً، بعنوان (عنوسة.. أم عروسة؟)، ولكن رسالة واحدة استوقفتني كثيراً، وجعلتني أرجع إليها عدة مرات، قبل أن أفكر في نشرها أو التعليق عليها، فلقد أحسست من السطر الأول أن (دانة شهاب) التي صنفوها (عانسة.. أكثر من كونها آنسة)، على حد تعبيرها، تريد أن تدخل إلى صلب الموضوع دون استئذان، وكأن الكيل قد طفح معها، ولا شيء يمنعها من إبداء رأيها بحرية تامة، طالما أن مجتمعها الإنطوائي الضعيف بدأ ينظر إليها بازدراء، بعد أن تخطت الثلاثين من عمرها دون أن تتزوج.
تقول دانة: (المشكلة كما أراها هي أن المجتمع، المكوّن من عائلات، يضع مسألة الزواج في أعلى سلّم الأولويات، وباللون الأحمر، وكأن الحياة تعتمد عليه أكثر من الهواء. نعم، الزواج ضروري لتحقيق الاستقرار، واستمرار الأسر والأسماء والسعادة، ولكن في حالة واحدة، إذا كان الزوجان متوافقين. فالزواج بحد ذاته صيغة قانونية فقط، أما الحياة الزوجية فهي تعايش بين شخصين يبذلان جهداً وعاطفة لإسعاد بعضهما).
وبعد أن ترمي علينا سؤالاً مهماً: (ماذا يحدث إذا لم نجد الشخص المناسب؟)، تجيب بصوت صارخ: (لا شيء). أجل: لا شيء، فالفتاة المثقفة تعرف كيف تختار رفيق حياتها، قرارها بيدها، بعد أن كان بيد عائلتها، وكم من فتاة شرقية تزوجت دون أن ترى العريس، والدها رآه، وهذا يكفي!
ولكن (دانة) تعرف أن المجتمع لن يرحمها، وأن الأسرة ستتأفف من وجودها في البيت، فلنقرأ ما تقول: (أما المجتمع والأسرة فسينظران للمرأة التي لم تتزوج وكأنها مرض يجب نبذه، أو خاطئة تركها الرجال، وفي أحسن الحالات، هم ثقيل تحمله الأسرة، وعليها التخلص منه، أو تحمّل نتيجة الإخفاق في التخلص منه).
وهذه النظرة اللئيمة من المجتمع والأسرة للفتاة العانس، هي التي تدفعها للزواج من أي كان، كي تهرب منها، وإن وقعت مستقبلاً في أبغض الحلال: (وكم من فتاة تتزوج من أجل تحقيق هدف الزواج، ليس إلاّ، فتعيش حياة تعيسة مليئة بالمشاكل، لأن الهدف لم يكن ذلك الزوج بعينه، بل الزواج من أجل الزواج).
المشكلة موجودة إذن، فما هي أسبابها، وكيف يمكننا التخلص منها؟ وها هي (دانة) تلخّصها كالآتي:
1ـ نسبة الفتيات المتعلمات الناضجات الواعيات اللاتي طورن عقليتهن وشخصيتهن، ولم يعدن كسيرات وضعيفات، أكثر بكثير من الرجال الذين تعلموا وطوروا عقليتهم، ولم تعد النساء بالنسبة لهم مجرد وعاء، وخادمة، وأحياناً ممسحة.
2ـ لا زال الكثير من الرجال يبحثون عن المتعة دون ارتباط، ويتزوجون لينجبوا، وعندها يختارون النموذج المتخلف من النساء، لأنهم لا يستطيعون مجاراة النموذج الآخر، وبالمقابل أصبحت النساء ترفض الزواج من أي كان، خاصة من رجال أهم مواصفاتهم أنهم ذكور.. مجرد ذكور.
3ـ سبب آخر يضحكني كثيراً، هو أن الكثير من الرجال يبحثون عن عروسة صغيرة السن، ويعتقدون أن الفتاة لا تصلح للزواج عندما تتجاوز الثامنة والعشرين. كيف تتزوج النساء أصحاب عقلية كهذه؟!.
أما عن الحل، فتقول دانة: (الموضوع موضوع تفاهم، وتوازن في الرغبات والاختيارات عند الطرفين)، وعلى المجتمع أن يعطي حرية إختيار الشريك للفتاة والشاب في آن واحد، لأن مجتمعنا، وللأسف، يكفل (حق الاختيار للرجل، لمجرد أنه ذكر، وما على الفتاة سوى القبول بهذه الفرصة الذهبية، والهدية النادرة، إذا ما تقدم لخطبتها ذكر ما.. عجبي!).
أخيراً، تقول دانة: (الحياة بالنسبة لي كعانس جميلة، أعيش بحرية وراحة تامة، ولدي القليل من الأعباء، فهل أتزوج وأخسر كل هذا، مخافة أن يُقال عني عانس؟.. لا طبعاً!).
لقد تخلى الغرب عن معظم عادات الشرق، بعد أن كان غارقاً بها، ومن تلك العادات حرمان الفتاة من حق التقدم لطلب يد الشاب، إذ من العيب أن تطلب الفتاة يد شاب، أو أن تنتقل للعيش معه تحت سقف واحد، مخافة أن يرذلها مجتمعها. أما الآن فنجد الفتاة الغربية تسرح وتمرح في هذا المجال، فما أن تعجب برجل حتى تنتقل للعيش معه، كزوجة بدون ورقة زواج، يطبخان ويأكلان معاً، يشتريان بيتاً مشتركاً، ينجبان البنين والبنات، وبعد سنوات من العيش الهنيء، يهمس في أذنها أو تهمس في أذنه، لا فرق: أتتزوجني؟ وكثيراً ما يكون الجواب: أجل يا أميرتي.