Art Poetry Media

مَن يذكر كمال يوسف الحاج منظّر القومية اللبنانية

أحمد محسن

ما يلفت في سيرة أحد آباء «القومية اللبنانية» أنه ولد في مراكش خلال الحرب العالمية الأولى. للمفارقة، ولد كمال يوسف الحاج (1916 ــــ 1976)، المشرقي، في أقاصي المغرب العربي، قبل اندلاع الثورة الروسية العظيمة بأشهر قليلة.صار الرجل ما صاره لاحقاً، شق طريقاً أكاديمية في الصروح اللبنانية يتوجب الاعتراف بها، بمعزلٍ عن أي خلافٍ مع أفكارهِ.

علاقاته وصداقانه أثرت في خيارات وكتابات كمال يوسف الحاج، وأبرزها «القومية اللبنانية»، أو ما أسماها صاحبها بـ «الفلسفة اللبنانية». فلسفياً، بحث أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية في مشكلة «الجوهر والوجود»، معتبراً أنها مشكلة أساسية في «تاريخ الفلسفة»، بمعزلٍ عن الجديد الذي قدّمه في هذا الصدد آنذاك. اشتغل الحاج كثيراً على تفنيد التناقض بين الكوجيتو الديكارتي، وبين المباني السارترية (نسبةً إلى سارتر)، التي يسبق الوجود فيها أي شيء آخر، ومن دون أن يلغي ذلك اشتغالاته في أعمال برغسون التي تجعل الوجود لاحقاً للبقاء.خلال عمله الطويل في الفلسفة، تصارع مع الديكارتية التي تؤله الجوهر وترفعه إلى ما فوق الوجود، وحاول تفسير سارتر الذي يقول بأولوية الوجود.

إذاً، يمكن الحديث كثيراً عن جهد كمال يوسف الحاج في الفلسفة، لكن ما يطفو على سطح أعماله هو «القومية اللبنانية». في بدايته، ينقل عنه عداؤه لثلاثة مشارب رئيسية: الماسونية، الصهيوينة، وطبعاً، وكما كانت الموضة آنذاك، كان معادياً الشيوعية. وكان العداء لكلٍ من هذه يقوم على أسسٍ مختلفة، وحاول كمال الحاج جمعها وتأصيلها في «القومية اللبنانية».وعلى ما يقول ابنه في مقالٍ له، كان جد كمال يوسف الحاج الأبعد من العاقورة، ومن آل الهاشم، وكان والده يتباهى بأصله الهاشمي، وأسهم في تأسيس رابطة للعائلة.

في وقتٍ لاحق، وفي سياق تنظيره لقوميته اللبنانية، اخترع كمال يوسف الحاج مصطلحاً طريفاً هو «النصلامية»، يدمج فيه بين «النصرانية» وبين «الإسلامية»، من دون تحقيق حتى في الخلل التاريخي الكبير باستخدام كلمة «نصرانية» للدلالة إلى المسيحيين الحاليين. «نصلامية» كمال يوسف الحاج، برأيهِ، هي «زواج حضاري» بين النصرانية والإسلامية، لأن لبنان «ليس مسيحياً ولا مسلماً»، وهنا تقول «عظمة القومية اللبنانية، أي في الميثاق الوطني الذي حافظ على الطائفية». نعم، كمال يوسف الحاج، يمدح الطائفية، لأنها تحافظ على «الزواج الحضاري».

لم يؤطر الحاج، في أي من كتاباته، دفاعه عن الطائفية علمياً. فالطائفية التي دافع عنها، كان بإمكانها أن تندرج ضمن مصنفات بناء الهوية، كالعقائد والأصول الإثنية وغيرها من العناصر. الحركة الطائفية إن سادت في بلدٍ ما قد تصبح مشروعاً ناجزاً يتخطاه التاريخ ويتجاوز تبعاته العنفية، أي أنه مشروع شكلي. أكثر من ذلك، بل يمكن أن تلعب الهوية الطائفية دوراً في الجمع لا في التفرقة، عندما نتحدث عن تجارب خارج السياق العربي، الذي يتعامل مع «الطائفية» كمشروع تقسيمي دائماً، في إطار هجاء أخلاقي محق دائماً، لهذا النوع من الطائفية.

ما يقوله الحاج أن «الدين متأصل في لبنان، وقوميتنا هي نتيجة عدة تيارات دينية تلخصها اليوم النصلامية، وحيثما الدين هناك الطائفية التي لولاها لما كان لبنان في شكله الحاضر». يقفز عن علاقة كل طائفة بالدولة، وعن التاريخ العثماني للبنان. وعموماً، الفِكرة عن استمرار لبنان في الزمن، كما لو أنه «توقف» خلال الفترات الإسلامية، أو أنه استمرار لهوية قومية امتدت لآلاف السنين، هي فكرة، كما يرى المؤرخ وجيه كوثراني، «تميّز الكتابة التاريخية المارونية التي ارتبطت ــ بصورة ما ــ بالحركة المطلبية السياسية التأسيسية التي قامت خلال العقد الثاني من القرن العشرين، أي في المرحلة التي طرحت فيها مشاريع حسم مشاريع الدولة العثمانية، والبدائل الممكنة لها (1908 ــ 1920)».

يترحم كمال الحاج على ميشال شيحا، الذي قال إن لبنان هو، وإلى وقتٍ طويل، بلد التسوية الطائفية، ويجب ألا نطلب منه لأن يعاكس طبيعة الأشياء، إذ من الأفضل له أن يعيش أعرج من أن يحطم أضلاعه». ومن بين تحولات عدة تكومت فوق وُهُن السلطنة العثمانية، برزت النزعة القومية في الشرق بروزاً لافتاً، لأسباب عدة اجتهد المؤرخون في تفسيرها فاختلفوا حيناً واتفقوا حيناً آخر. فالشرق، أو المشرق بما يتخذه المصطلح من دلالة، متنوع طائفياً وديموغرافياً. وبسبب التجربة السيئة بين المثقفين ــ أو بين من يعرفون بالنخبة ــ مع «المركزية العثمانية»،

وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن «قومية لبنانية»، قبل مقارنة هذه القومية مع أخواتها من القوميات الأخرى، وإن مقارنة كالأخيرة تستوجب أبحاثاً وشروحاً طويلة. لكن كمال الحاج، لم يقم وزناً لهذا. وإن كان كمال الصليبي يقول إنه في البداية، لا بد من حملة تنظيف عامة في بيوت العناكب المنسوجة داخل البنى الطائفية والمذهبية المختلفة في البلاد، لإزالة الأحكام المسبقة المضادة المتعلقة بماضي لبنان وماضي العرب، فإن الحاج، كان يلاقي جواد بولس، في قوله، إنه، «منذ فجر التاريخ وطوال التطوّر المتوالي عبر الألوف الماضية، تميّز سكان لبنان (مِن كنعانيين وفينيقيين) بذاتية جماعية قوية ذات صفات نفسية خاصة، وذات رسالة بجوهرها تجارية بحرية وثقافية تربطها جميعاً في خطوطها العامة قربى وثيقة بخصائص اللبنانيين الحاليين» (لبنان والبلدان المجاورة، جواد بولس، 1973).

كان كمال الحاج يرى أن «الإنسان كائن ديني أساساً، يعني لا وجود للالحاد، حتى الماركسية، فهي دين مقلوب». وهذه لم يسبقه أحد عليها، مثلها مثل قوله إن «السياسة كغيرها من النشاطات الاجتماعية تعبر عن دينية هذا الكائن فينا، فالدين نشاط اجتماعي أيضاً كسواه من النشاطات الاجتماعية، مما ساقني إلى عدم الإيمان بالعلمانية في مجالات السياسة». ولا قومية بمعزل عن تفسير ديني للكون برأي أحد أهم منظرّي القومية اللبنانية، واضع كتاب «الطائفية البناءة أو فلسفة الميثاق الوطني».

Source: مَن يذكر كمال يوسف الحاج منظّر «القومية اللبنانية»؟ | الأخبار
More: Kamal Alhajj. | في القومية اللبنانية.

More from Culture

الكنز المفقود لإميل بولس

عام 2010، كانت رزم من شرائط الـ «نيغاتيف» مرمية في الاستوديو المهجور للمصوّر البتروني الوحيد في زمانه إميل بولس. إنتشلها ألفرد موسى من بين الغبار وعمل على إعادة تظهير ما سلم منها ليكتشف «الكنز المفقود»: أكثر من 80 ألف صورة … read more

هبة طوجي غجرية المسرح الباريسي المتألقة ألهبت الخشبة الفرنسية

كل ما أصل الى مكان أشعر أني اريد الذهاب أبعد، في النسخ السابقة كانت إزميرالدا لا تتحرك كثيراً. تطور الإخراج والكوريغرافيا زادا من التحدي، خصوصاً وأن الغناء مباشر ومعه تعب الرقص على مسرح كبير. شاهدت هذه المسرحية وكنت صغيرة، لكن … read more

Sons of the Prophet

Illness is also the dominant metaphor in Stephen Karam’s Pulitzer Prize-nominated play Sons of the Prophet. Karam, like Sontag, disabuses his audience of the idea that there’s something noble or romantic about suffering. Whereas Sontag cites close readings of literary … read more