Beacon of Beirut

زميلي بعالم الانترنت موليكو عم يكتشف ناسو وأرضو، وبذات الوقت عم يقرر يضلّ بلبنان شو ما صار. وآخر مكتوب منّو بيقول جملتين، قصار، بس عرفت من هالجملتين القصار انو نحنا طالعين من هالازمة الرهيبي بقوة عزم شبابنا.

بهالمناسبي حبيت اهدي موليكو شي عن بيروت، ففتشت بمحفوظاتي القديمي، لقيت هالمقال المحفوظ عن النهار بتاريخ الجمعة 17 تشرين الاول 2003، بعنوان بيروت بين منارتين للنائب السابق بهاءالدين عيتاني. صحيح ما عشت الايام يللي عم يحكي عنها السيد عيتاني، بس بالايام يللي عشتها على المنارة لها طعم جميل جدا، طعم لبنان:

“فيما كنت اشارك في احتفال تدشين المنارة الجديدة، تلفتُّ نحو المنارة القديمة التي اطفأت انوارها الى الابد، تاركة لخليفتها مهمة انارة الطريق للسفن المتجهة نحو ميناء بيروت الذي ارتبط تاريخ العاصمة وازدهارها بتاريخها. فلميناء بيروت موقف خاص في ذاكرة البيروتيين، ومنزلة مميزة في وجدانهم. فالميناء هي التي تضخ البضائع على انواعها من شتى بقاع الارض الى اسواق المدينة، فمنها يأتي بالكساء والغذاء، وآخر بما صنعه الغرب السبّاق، وهي التي فتحت الكثير من ابواب الرزق الحلال حتى قبل “رزق البحر… بحر” انها بوابة البحر الى البر، وحامية الدور المزدوج، فمنها يسافر الاحباب الى ما وراء البحار… الى المجهول، ومنها يعود الاحباب بعد طول غياب ولوعة الانتظار. كان البيروتيون يرصدون حركة البواخر، تغدو وتروح، فالرائحة تحمل قطعة منهم، والعائدة تحمل عزيزاً طال انتظاره. وبين الميناء والمنارة علاقة عضوية، فالمنارة تهدي البواخر الحاملة في احشائها شتى انواع البضائع، والميناء تقدم لها المرسى الامين.

ومع انطفاء انوار المنارة القديمة، ينطفئ عصر بكل ما فيه من ذكريات وعادات وتقاليد ونمط عيش، عندما كانت بيروت في حجم قرية كبيرة. وكان البيروتيون كناية عن عائلة واحدة، يعرف واحدهم الآخر بالاسم والكنية والحسب والنسب، وكانت الارض مرجاً أخضر، تغطيها بساتين الخسّ والفجل والبطاطا ومختلف انواع البقول، فلا زفت اسود ولا اسمنت كالح، وكان الجو عابقاً بروائح اشجار الزيزفون وعطر زهر الليمون والياسمين ممزوجة برائحة التراب الذي منه خلقنا واليه نعود.

رؤية المنارة القديمة تُطفأ انوارها الى الابد، ايقظت في نفسي الحنين الى البيت البيروتي القديم الذي لم تكن طبقاته تزيد عن طبقتين يربط بينهما سلم خشبي تتصدره بركة ماء، حولها شجرة “بوصفير” واخرى “يوسف افندي”، وفوق سطحه عريشة او صندوق خشبي اليه تأوي اسراب الحمام، بعد مطاردة خفيفة يقوم بها”الكشّاش”. ولكشاشي الحمام في بيروت القديمة قصص تروى، في زوايا المقاهي وعلى ارصفة الازقة. ومن تذكارات تلك الايام الحلوة، ايام البساطة العفوية والايمان الصادق البعيد عن التعصب والعصبيات، رمل الظريف، رمل البطركية، و”اربعة ايوب”، وطائرات الورق تحلق في سمائها مشدودة الى الارض بخيوط الكتان، تقبض عليها انامل فتيان صغار بملابس زاهية ملونة، عيونهم الى السماء، واقدامهم على الارض يتصايحون ويتراكضون، وكل يحاول ان يجعل من طائرته الاعلى، واذا هوت احداها الى الارض تراكضنا جميعاً لنستطلع الخبر، ونساعد صاحبها على اقلاعها من جديد، واذا انقطع خيط احداها، وسحبها الريح الى حيث لا عودة، فتلك الطامة الكبرى.

كانت دكاكين الاحياء، عبارة عن غرفة ضيّقة دقت في حيطانها رفوف خشبية تعلوها بضعة مراطبين تحوي “ملبس” متعدد الالوان، او “بزر وقضامي” مبلولة من الرطوبة وتنامي الايام، ونعومة ومعللاً ودواليب هواء، اما بقية الحاجات فمكانها في محال اسواق ابو النصر، والنورية، واياس، والطويلة الخ، والرابط بين اسواق المدينة واطرافها، الترامواي، وكان لتلاميذ المدارس تعرفة خاصة مخفضة بموجب اشتراك شهري يدعى “الباس”، وكان حاملو هذا “الباس” من الطلاب المميزين، وعلامة وجاهة ويسر، يتباهون به، وكثيراً ما كانوا يرفضون ابرازه للجابي، ويكتفون بكلمة “باس” وعلى الجابي ان يصدّق وينصرف وإلا “عركت”.

كانت منطقة الروشة القريبة من بيتنا قفراً الاّ من بعض البساتين ترعى فيها قطعان الماعز، وكان الراعي يجول بقطيعه الصغير في الاحياء منادياً حليب… حليب، فنتراكض نحوه حاملين القصعة وبضعة قروش، نملأها بالحليب الطازج ونعود بها الى البيت حيث تقوم الوالدة “بتفويرها” على بابور الكاز، ثم تسكبه في صحوننا المنتظرة، نتناوله مع شيء من الخبز او الكعك. مع انطفاء المنارة القديمة وانطلاق ضوء المنارة الجديدة، يولّي عصر البساطة والامانة والدعة، ويشرق عصر جديد يحمل للناس الكثير من وسائل الرفاهية، وأسباب التقدم، ووسائل المعرفة، ولكن بثمن باهظ ندفعه من صحتنا واعصابنا، وهدوء البال، وسبحان مغيّر الاحوال.

Leave a Comment