وادي قنوبين

يفوح بعطر القداسة ويزخر بأديرة عابقة بالخشوع والتأمل
أول مطبعة في الشرق ومتحف أثري ومخطوطات نادرة وفخاريات من عصور غابرة

وادي قنوبين – ابرهيم عبده الخوري:
يفخر لبنان بأوديته المقدسة التي عاش فيها رهبان نساك صرفوا الايام في الصلاة والتأمل، ووضعوا الكتب المقدسة، وزرعوا الارض طهرا ومحبة، وأعطوا قديسين نلتمس بركاتهم وشفاعاتهم كل يوم. وأهم هذه الوديان وادي قنوبين الذي تحوطه وتشرف عليه أديرة للرهبنة المارونية.
عندما يلج المرء ديرا للرهبانية اللبنانية المارونية يغرق في بحر من التأمل والخشوع، فكيف اذا حطّ في رحاب دير مار انطونيوس – قزحيا الرابض فوق هضبة من هضاب لبنان الاخضر، والملاصق لوادي قنوبين المقدس؟
يغرق الدير في الازمنة الغابرة، اذ يعود انشاؤه، كما أفاد رئيسه الاب انطوان طحان، الى مطلع القرن الرابع الميلادي، مع انتشار حياة النساك في الشرق. ومع مرور الازمنة، أخذ المسيحيون والمؤمنون بالاديان السموية يحجون اليه من سائر المناطق اللبنانية ودنيا الاغتراب والعالمين العربي والغربي، التماسا لمعونات إلهية.

أول مطبعة في الشرق

أعطى دير مار انطونيوس – قزحيا الطائفة المارونية خمسة بطاركة كانوا نساكا في رحابه: موسى العكاري (1524 – 1567)، مخايل الرزّي (1567 – 1581)، سركيس الرزّي (1581 – 1597)، يوسف الرزّي (1597 – 1608)، ويوحنا مخلوف (1608 – 1633). ويزهو اليوم بمتحفه الثري بمقتنياته، إذ يضم أواني كنسية وفخارية قديمة العهد، وثياباً كهنوتية، ولوحات زيتية لعدد من أحبار الكنيسة المارونية، وهدايا من ملوك أوروبا ومنها “الصولجان” المطعم بالماس والعاج هدية من الملك الفرنسي لويس التاسع، الى معدات زراعية كان يستعملها الرهبان وشركاء الدير في الحقول الخصبة على مدار السنة.
وعلى مدخل المتحف تقبع أول مطبعة في الشرق حظيت بالاحرف السريانية، وقد وصلت الى دير مار انطونيوس – قزحيا عام 1585. وأول كتاب طبعته كان كتاب “المزامير” الموجود حاليا في جامعة الروح القدس – الكسليك، الى العديد من الكتب الليتورجية والدينية وأبرزها كتاب القداس الماروني بالسرياني والكرشوني، وكتاب الرسائل والشحيم والشبيّة والريش قريان. ناهيك بالمخطوطات والموسوعات السريانية التي أصبحت مع توالي العصور كنزا حيا خالدا.
وقزحيا كلمة سريانية تعني “الكنز الحي”. وقد جددت الرهبانية اللبنانية المارونية المطبعة سنة 1871، فراحت تطبع الكتب الكنسية المتنوعة المواضيع، الى أن توقفت نهائيا عن العمل في بداية الحرب العالمية الثانية. على أنها ما برحت تروي للزائرين عبر حروفها السريانية تاريخ الرهبان النساك وحياة الموارنة في الوادي المقدس، ولا يزال حبرها المترنح على عصا السنين بخورا للذين يهمهم الوقوف على تاريخ ماروني عريق حافل بالتقوى والايمان والعطاء.
على أضواء الشموع والفوانيس، أمضى رهبان دير قزحيا لياليهم في الصلاة والسجود والكتابة. ومن عرينه العابق بطيب القداسة انطلقوا الى القرى المجاورة ينشرون التعاليم السموية، ويزورون المرضى ويبلسمون الجراح. وفي كنيسته المحفورة في الصخر والتي يتردد صدى جرسها وادي قزحيا السحيق، أقاموا القداديس والزياحات، وسجدوا للقديس انطونيوس، أبي الرهبان، طالبين نعمه.
وتلاصق الكنيسة مغارة عجائبية يقصدها المؤمنون ومن مسّهم جنون. وفي الزمن البعيد، كانت يدا المريض المجنون تقيدان بسلاسل حديد، فيروح يتوسل القديس انطونيوس للشفاء. فذاع صيت المغارة في لبنان والمشرق بسبب الشفاءات العجائبية التي كانت تجري فيها. وتمتد المغارة الى أطراف بلدة اهدن، كما يسود الاعتقاد ان ما من مغامر توغل الى نهايتها حتى يومنا هذا.
وفي جوار الدير وعلى مشارفه وتلاله انتشرت المحابس، ومنها محبسة بولا التي أسسها سنة 1716 الأب عبدالله قرا علي، وتردد عليها القديس شربل مخلوف قبل دخول الرهبانية لزيارة خاليه الحبيسين أغوسطين ودانيال الشدياق. وقد تعطرت زواياها بصلوات العديد من الحبساء الموارنة.
ومن دير قزحيا انتشرت الرهبانية في كل لبنان. وفي أجوائه يعمل رئيسه الاب انطوان طحان على نشر تعاليم الرهبانية، ويحضن الذين يحجون اليه يلتسمون بركة القديس انطونيوس وشفاعته.
هذا الدير الفواح بعطر القداسة أضحى محجة للمؤمنين، ينزلون في نزل أنشئ على مدخله ليوم او يومين، ومنه يطوفون في الدير يتضرعون الى القديس انطونيوس ليمنّ عليهم بالبركات ويأخذ بأيديهم ويدلهم الى الصراط المستقيم.

في حمى الوادي

ومن دير مار انطونيوس – قزحيا الى وادي قنوبين برفقة الزميل جوزف محفوض. المحطة الاولى كانت في دير مار إليشاع المغروز في وادي قاديشا، في باطن صخر دهري.
دير مار إليشاع قديم العهد بناه الرهبان النساك ملاذا لعزلتهم الحميمة مع الرب، فنبشوا الصلوات من رحمه ومجّدوا وسبّحوا خالق الأكوان.
بني الدير في مطلع القرن الرابع عشر، وذكر البطريرك اسطفان الدويهي انه شيّد عام 1315.
عاش في دير مار إليشاع التابع للرهبانية المارونية المريمية قساوسة ونساك تعبّدوا لله. كما أمّه نساك أجانب ومنهم الناسك الفرنسي فرانسوا دو شاستوي الذي قضى فيه آخر ستة أشهر من حياته بعد حياة نسكيّة في مواقع عدة في شمال لبنان استمرت 32 سنة، وتوفي عام 1644.
شهد دير مار إليشاع ولادة أولى رسالات الرهبان الكرمليين الحفاة الذين وهبهم البطريرك الماروني جرجس عميره الدير عام 1643، فرمموه ووسعوه وسكنوه، وبقي قسم من الرهبان النساك الموارنة يسكنه. ومع أوائل القرن الثامن عشر غادره الكرمليون نهائيا الى دير مار سركيس في بشري.
عام 1696 تسلم مؤسسو الرهبانية اللبنانية الدير وهم ثلاثة رهبان أتوا من حلب: عبدالله قرا علي وجبرائيل حوّا ويوسف التبتن، حيث عقدوا عام 1698 مجمعهم الاول فيه. وعندما قسمت الرهبانية اللبنانية الى لبنانية بلدية (الرهبانية اللبنانية المارونية) ولبنانية حلبية (الرهبانية المارونية المريمية) عام 1768، كان دير مار إليشاع من نصيب الرهبانية اللبنانية الحلبية.
بُنيت كنيسة الدير عام 1835 في غور كهف اتقاء لسقوط الصخور من أعالي بلدة بشري المطلة على وادي قاديشا. وقد صلّى فيها النساك الذين سكنوا الدير وسبّحوا خالقهم.
عام 1949 سكن دير مار إليشاع الحبيس انطونيوس طربيه، ومكث فيه ثلاثا وثلاثين سنة. وتوفي برائحة القداسة في 20 حزيران 1998، ودفن في غار طبيعي في كنيسة المحبسة، وقد بات قبره محجة للمصلين والزائرين، أما غرفته فحوفظ عليها كما كانت.
ودير مار إليشاع غني باللوحات الزيتية، والمخطوطات القيمة معروض نسخ عنها للزائرين، ونسخ موضوعة في خزائن. وفيه آلة حياكة “نَوْل” صنعها القس بيمين سنة 1719، وبلاطة سوداء قديمة العهد عليها رموز وكتابات وجدت في محبسة مار مخايل القريبة من الدير. ومن عجائب الطبيعة المسبّحة الوردية التي تكونت طبيعيا في سقف الدير بفعل ترسب حبيبات المياه الراشحة.
ومن دير مار إليشاع الى دير سيدة قنوبين – الكرسي البطريركي “قلاية الدويهي” الذي يحتضن كبار البطاركة المورانة. وعلقت في باحته صورة كبيرة للبطريرك اسطفان الدويهي. والحجاج فيه على مدار السنة، كذلك للزائرين الاجانب.
وبما ان وادي قنوبين أضحى من التراث العالمي، فان الوصول الى دير سيدة قنوبين يتم من طريق ترابية فدرج حلزوني. وعلى جانبي الطريق، منازل في أملاك خاصة يعاد ترميمها وفق مواصفات التراث العالمي.
خلال عودتي والزميل محفوض بسيارة استأجرتها من ساحة دير مار اليشاع، قال لي سائقها “إن المغترب ريمون يونان القاطن في بيت ورثه عن أبيه وجده لأبيه ورممه من ماله الخاص، يدعوك لاحتساء القهوة عنده. وفي الحديث أخبرني المغترب يونان انه يقصد الوطن الأم باستمرار قادما من أوستراليا حيث بنى لنفسه مكانة مرموقة، ويود ان ينهي حياته في وادي قنوبين في حمى قديسيه، وهو يشجع كل المغتربين على العودة الى وطنهم الأم وزيارة أماكنه المقدسة والتبرك من قديسيه بدءا من القديس مارون وانتهاء بالطوباوي الاخ اسطفان نعمه. ويطلب من الحكومة اللبنانية ان تمنح المغتربين الجنسية وتعترف بالانجازات التي حققوها في دنيا الانتشار. وقد أكبرت أقوال يونان المتعلقة بوطن الارز والمتعبد لوادي القديسين.
وبعد، يبقى الحج الى ديري مار انطونيوس – قزحيا ومار إليشاع ووادي قنوبين، صلاة تأمل وخشوع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>