وادي عودين

وادي عودين

لا بدّ من أن يكون مطلق مقولة لبنان الأخضر قد رأى هذا الوادي الجميل وتأثر به لدرجةٍ كبيرة… مساحات خضراء على مدّ النظر… شجرها الأساسي الصنوبر البرّي وأمّا نباتاتها فلا تختلف بكثير عن الثروة النباتية التي تكسو جبال لبنان على هذا العلو المتوسّط ( 700-900م ). ويعبر في وسطه نهرٌ صغير يكاد يجفّ ماؤه في آخر الصيف لولا مساندةٍ مباركة من فيالق غيوم الخريف…

يقع هذا الوادي الهادئ المغمور في خراج بلدة عندقت العكّارية، ويبعد عن حلبا (مركز محافظة عكّار) حوالي 40 كيلومتراً…

وأذكر هذا الوادي منذ طفولتي… فقد تربيت على حبّ الطبيعة في أفياء أشجاره… أوّل رحلةٍ إليه كانت في العام 1988مع طلّاب مدرسة القديس يوسف في منيارة… وكان طلّاب صفّي ينشدون أناشيد أذكر منها كلّنا للوطن ولا تسلني يا ربيع… وهي أناشيد نسيها الناس اليوم بوجود "اللي بتقصّر تنّورة"… وكان الوادي وقتها طاهراً بعيداً كلّ البعد عن البشر…

وأمّا زياراتي له في فتراتٍ لاحقة فكانت مع أهلي وأقربائي… فكنّا نخيّم فيه ليومٍ كامل… وطبعاً كانت من الأوقات الجدّ جميلة…

مرّت الأيام، وكلّ ما كنت أسمعه عن هذا الوادي الرائع كانت أخبار الحرائق المدمّرة التي كانت تجتاحه… وكم من مرّة استدعي الطيران القبرصي لدعم الدفاع المدني اللبناني لأطفاء الحرائق… فهذا الوادي كان في الحقيقة مزعجاً جدّاً لكثرة كثافة أشجاره… وليس له إلا طريقٌ رئيسيّة طرفية مما يعقد وصول سيارات الإطفاء إلى أيّ مكان… والسخرية كانت في القدر الذي كان يسهّل وصول المعتدين الآثمين على أمن الطبيعة وتوازنها الحياتي… فهي لهم سهلٌ مفتوح وطبعاً لا يعرف أحدٌ سبب تحدّيهم الجائر الذي كان يتعدّى العشر مرّات في السنة…

اليوم صار الوضع أقلّ صعوبةً من قبل، وذلك نتيجةً لتعبيد الطريق المؤدية إلى الوادي إضافةً إلى الطريق التي شقّتها جرافات الدفاع المدني وفرق الهندسة في الجيش اللبناني مشكورةً… وطبعاً، طالما أنّ الطريق سالكة، فمن لهم أملاك في تلك المنطقة  استصلحوا أراضيهم وبنوا البيوت داخل الغابة، حتى صار اليوم عدد البيوت فيه أكثر منها في القرية المنشأ… دوماً على الطبيعة أن تدفع…

في ذاك اليوم من أيام خريف 2004 قرّرت التوجّه إلى هناك ، حاملاٍ كاميرتي كالمعتاد، وكنت لا أذكر الطريق جيّداً، لكنّه كان قد ثبت في رأسي بعض المعالم ووصلت… واللوحات الطبيعية التي تراها هي تتحدّث عن نفسها… جمالٌ خارق… ألوانٌ مريحةٌ للنظر… هواءٌ نقي قلّ نظيره… لكن ما يحزّ حقيقةً في القلب هو أنّ الغابة خسرت 35% من أرضها الخضراء… فترى في وسط الأخضر مساحات بنّية اللون… وقمم التلال صارت بأغلبيتها جرداء…

وكما يقول كثيرون أنّ الطبيعة الأم تعاكس الناس فتدمّر بيوتهم… ففي ذلك أيضاً هي تعاكسهم، لكن بصمتٍ وتكتّم… ففي زيارة لاحقة إلى تلك المواقع التي جرّدتها النيران من عذريتها، رأيت أرضها مكسوّة بأفراخ الصنوبر… فعاد الأمل إلى قلبي بأنّ أحفادي سيرونها في يومٍ من الأيام كما رأيتها أنا منذ عقدين…

د.ساسين ميشال النبّوت

www.akkar-lebanon.blogspot.com

http://community.webshots.com/album/480506783VAjSSz

Leave a Comment