وادي جهنّم

حتى اليوم لم تدُس رِجلٌ بشريّة الكثير من أجزائه… وادي جهنّم، إسمٌ مخيف حُمِّل أكثر من طاقته، وأبعد عنه الناس لسنين عديدة… فلو أنّ جهنّم تشبهه إلى حدٍ قليل، لَما قاوم الناس الخطيئة…
قد يكون المنظار الذي أقيّم به الجمال مختلفاً عن الآخرين، خصوصاً سكّان بلدة مشمش العكّارية الذين يعانون من صعوبة ووعورة طرقاته في كلّ يوم… فهو لهم الوادي العصيّ… أو وادي الجحيم… أمّا بالنسبة لأهالي عكّار الآخرين فجوابهم المشترك لزيارتي ذاك الوادي:” هل جننت لتذهب إلى ذاك المكان… ولو دفعوا لي لا أذهب… عن ماذا كنت تبحث هناك؟ الجمال؟ يوجد منه الكثير ههنا…”.
الهالة التي اكتسبها ارتبطت بأساطير قديمة، بأخبار تناقلها الأهالي وباحداث وُضِعت في سجلات الغرابة… فمن حارس الوادي الظاهر في الصورة أعلاه، إلى قصص اختفاء كثيرين ممّن حاولوا اقتحامه منذ القدم… حتى أصبح القول المشهور عنه: ما من أحد يدخله ونجد جثّته… إضافةً إلى قصص أعراسٍ أقيمت على جوانبه وقضى المحتفلون كلّهم… أضف إلى ذلك ما يسمع من أصواتٍ مخيفة في هدأة الليل، عويل حيواناتٍ وأصوات جيوشٍ تتصارع…
وادي جهنّم…
قد يكون الأكثر خضرةً في لبنان إن لم نقل في كلّ الشرق… الأغنى بالماء بوجود العدد الأكبر من الينابيع في مكانٍ واحد… فهو يستقطب ماء جبال عكّار والضنّية على السواء… وعند نهايته يتشكّل نهر البارد الشمالي…
قد يكون أيضاً الوادي الأعمق مع مئات الأمتار كدرجة عمقٍ وعلى خطٍ واحد… إضافةً إلى حائطٍ صخري ممتد على الجانبين…
كنت أمرّ من فوقه في كلّ زيارةٍ إلى محميّة القمّوعة، وكان يستوقفني في كلّ مرّة… كان يسرق عيناي ويشدّني بقميصي… فوعدته بأني سأزوره يوماً… لكن ليس قبل انتهاء الشتاء…
في يومٍ من نيسان، قلت لجدّي: هل تريد أن تذهب إلى مكانٍ لم تزره في حياتك؟… فلم يُجِب، صعد السيارة مع عصاه، وبدأنا في الصعود صوب الجرود…
غطّ جدّي في النوم طول الطريق، حتى أن سقوط السيارة في الحفر لم يوقظه أو يوقف شخيره… في منتصف المشوار هززته بيدي قائلاً: لم آتِ بك لتنام بل لترى، النوم للبيت يا جدّي… ففتح عيناه نصف فتحة وضحك ثم غطّ في النوم من جديد…
في بلدة مشمش سألت الكثيرين عن المفترق الذي يوصلنا إليه، وكان كلّ واحدٍ يدلّنا على طريق آخر إلى أن اهتدينا أخيراً… وبدأنا رحلة الهبوط على طريقٍ بالكاد اتسّعت للسيارة… حتى أنّي هممت بالنزول على قدمي بسبب الصعوبة في التقدّم… الطريق استحدثت جديداً لتصل بعض قرى الضنيّة المعزولة بقرى عكّار، لكن لا أعتقد أن من يسلكها يستعمل غير البغال…
اضطررت أن أوقف السيارة لأنّ التقدّم صار درجة إضافية فوق الجنون الحالي… بقي جدّي نائماً، فخرجت وسرت لساعتين في الوادي مذهولاً من كلّ هذا الجمال المخفي… ممجّداً الخالق لروعة ما خلق… لم أترك زاويةً إلا ودستها… وأخيراً سلّمت على حارس الوادي وقفلت عائداً إلى السيارة…
وجدت جدّي يسير في مكانٍ ليس بقريب من حيث تركته، مع عكّازه طبعاً… وكان ينظر حوله، ثم إلى فوق وهو مذهولٌ من درجة العمق كما من الجمال…
عندما عدنا، سألت أمّي: أين كنتم اليوم؟. فقال جدّي في وادي الجنّة… جنّة لبنان…

لمشاهدة صور من هذه المنطقة إضغط الوصلة.

6 comments on “وادي جهنّم

  1. كلامك هذا تكلمت عن الصعوبة هذا من ناحية مشمش لو زرتها من ناحية القمامين (لينك) لوجدت زات الجمال بطريق اسهل بكثير

  2. 3enjad 2awal mara bshouf hek shi kteer 7elo w fazw3a bas shakla be 5awef 2na 2awal mara bshoufa 3al net bas sa2abet kenet 3am be3mal 3ana ba7es shefet hay soura bas le samouha wede jhanam kteer 7elwe walla

  3. حتى في وادي جهنم اللبناني أرى وجه يسوع المتالم على الصليب من صنع يد الطبيع.
    منظر يدعوك للتأمل والخشوع والصلاة أكثر منه للتعجب.
    بارك الله بصاحب الصورة وجزاه خيرا على تعميم هذا الوجه الصخري الذي فيه من الألم ما في شعب هذا الوطن.

  4. مرحبا، هذه الصورة مأخوذة من موقع القبيات. ممّا لا شكّ فيه أن الوجه يشبه وجوه أجدادنا جميعاً، وهم حزينون لأنّهم فرّطوا بكلّ نقطةٍ من عرقهم ومن دمهم من أجل لبنان، بينما نحن نفرّط بكلّ حبّة من ترابه فداءً للطائفية والمصالح الآنيّة…

  5. هل انتَ من أخذ هذه الصورة يا دكتور؟ لا أعرف، يمكن لأني صديق مع الصورة، ولكن أرى صورة رجل بوضوح في هذه الصخرة، صورة رجل حزين أو نائم، يبدو أن الوادي قد فرح من كلام جدك فطبع له صورته لشكره، سلم لي على جدك، أحببناه دون أن نراه ،،،، أو رأيناه ؟؟؟؟

Leave a Comment