Maghdouche مغدوشة

Maghdouche

تبعد بلدة مغدوشة عن العاصمة بيروت نحو 50 كلم. سكانها المقيمون نحو ثمانية آلاف نسمة. عدد منازلها نحو الألف. الاتــجــاه الــيــهــا: بــيــروت، الـــدامـــور، صــيــدا، مفرق جنوبي صيدا على جسر سينيق (معروف بـ مفرق مغدوشة “) ومنه خمسة كيلومترات شرقا فتطل مــغــدوشــة متربعة على رابية جميلة ترتفع عن البحر نحو 250 الى 290 متراَ.

بلدة عريقة في القدم، ترقى الى عمر الانسان في لبنان (كسائر الروابي اللبنانية المشرفة على البحر الابيض المتوسط امتدادا مــن اقصى الجنوب الــى اقصى الشمال). سكنها اللبناني الاول بعد ان حفر بيته في صخورها، ولا تزال آثار خمس من هذه المغاور والكهوف واضحة حتى اليوم في مشارف مغدوشة، ابرزها مغارة “سيدة المنطرة” احد تلك المساكن والمعابد. تمتاز اكمة مغدوشة بموقع جميل فريد: ينبسط البحر امامها غــربــا، ويــرنــو اليها الجبل شرقا، وشمالا تبدو قرى ومدن متناثرة مــدروزة واحدة تجاور الاخرى في اقليمي التفاح والخروب وصولا الى العاصمة بيروت، وجنوبا تطل منها قرى الجنوب الصامدة.

اغــدق الله على مغدوشة هذا الجمال الطبيعي فحيكت حولها الاساطير، منها ان عشتروت (الهة الحب والجمال عند الفينيقيين) رفضت ان تسكن في صيدا بل آثرت السكن في التلال المجاورة، فــطــارت وهبطت مــخــتــارة اكمة مغدوشة موئلا لها بين اشجار الصنوبر والزيتون وكروم العنب الخصيبة, ويقال ان الناس قديما كانوا يــؤدون لها فرائض عبادة وثــنــيــة تــقــضــي بـــأن يجتمعوا فــي مــكــان لا يــزال يعرف حتى اليوم بمغاور طبلون ثم ينتقلوا من هناك في دهليز تحت الارض باحتفالات دينية حاملين الذبائح ومزودين بأضحيات يقدمونها لعشتروت استرضاﺀ لها واكراما في المكان حيث تقطن، وهــو الـــذي اصبح لاحقا وحتى اليوم مقاما للسيدة العذراﺀ.

Maghdouche

هذا الجمال الرائع في الموقع جعل القديسة هيلانة (والــدة الامبراطور الروماني قسطنطين الكبير) تطلب مــن ابنها (سنة) 324 ان يبني برجا مقدسا لعبادة، العذراﺀ في المحلة المعروفة اليوم بـ “محلة البرج”، يرتفع عليها اليوم تمثال برونزي للسيدة العذراﺀ تم تثبيته فــي 1963/5/16 على عهد المطران باسيليوس خوري.

ازدهـــرت مغدوشة على عهد الامير فخر الدين المعني الثاني، حين توافد اليها من باتوا اهلها الــيــوم، بتشجيع مــن الــمــطــران افتيموس الصيفي سيم مطرانا على ابرشية صيدا وصــور سنة 1683.

عن انيس فريحة (فـي كتابة “اسماﺀ المدن والقرى اللبنانية) ان كلمة “مغدوشة” سريانية الاصل، مشتقة من “مكدسون” (جامعو الغلال اكداسا وعرمات). والارجــــح ان اســم “مــغــدوشــة” محرف من جذر “قدش” السرياني (القاف فـــي الــلــغــات الــشــرقــيــة الــقــديــمــة تــنــقــلــب عــلــى غــيــن، والسين الى شين) وتاليا “قدش” (ومشتقاتها قاديشو)، قاديشات، مــقــدوشــو، … السريانية تعني قدس، وقدوس ومقدسة بالعربية، فيكون اسم مغدوشة مشتقا من جذر “قدس” وتعني “مقدسة”.

وعن روايات متداولة منذ القرن الثامن عشر ان السيدة العذراﺀ جاﺀت مغارة مغدوشة مع التلميذ يوحنا الحبيب، ما يوضح القصد من تأكيد قداسة المكان. وقد يكون السيد المسيح جــاﺀ ذاك المقام لاصطحاب والدته ومن معها في طريق عودته الى فلسطين. ومن هــنــا تسمية “الـــــدرب” (الــطــريــق الطويل والبعيد) لبلدة درب السين (او درب السيم: ) الاسم الاول يعني بالسريانية الطريق المؤدي الى مطلع الشمس والقمر، والآخر يعني باللاتينية الطريق الــمــؤدي الى القمة والمعنيان واحد.

اقــتــرن اســـم مــغــدوشــة باسم مــريــم الــــعــــذراﺀ فــعــرفــت بــبــلــدة، العذراﺀ وعرفت المغارة  بـ “سيدة المنظرة في مغدوشة” كما يشير النص على مدخل المغارة: “مقام سيدة المنظرة العجائبي في خراج مغدوشة، اكتشفه سكان القرية سنة 1721 واستخدموه كنيسة لهم ومدفناً لكهنتهم ومـــورداً لرزقهم”. ويشيع أن راعياً اكشتفها عرضاً في القرن السابع عشر فوجد فيها مذبحاً عليه صــورة خشبية للعذراﺀ. واكشتف علماﺀ الاثار قرب موقع المغارة آثــار قلعة صليبية (فــرانــش غــارد) وكتابة فينيقية محفورة في الصخر.

امام المغارة ثلاث قناطر يعلوها صليب بناها جــاك ابيلا (قنصل انكلترا في صيدا) سنة 1868 شكراً للعذراﺀ على شفائه من فالج. ومــنــذ اكــتــشــاف الــمــقــام اخــذ المؤمنون يؤمّونه مقدّمين نذورات وتقدمات على شفاﺀ ات وعجائب مــن الــســيــدة الــعــذراﺀ لمسلمين ومسيحيين فــي لبنان وخــارجــه، ابرزها ست عشرة اعجوبة ذكرها الــمــطــران باسيليوس حــجــار. وبفضل هذا المقام باتت مغدوشة بلدة ســيــاحــيــة وجــعــل ابــنــاؤهــا نهار الــثــامــن مــن ايــلــول عيد السيدة (ميلاد السيدة) العذراﺀ يتقاطر اليه المؤمنون من الجوار والابعد يــشــاركــون بــالــعــيــد والــصــلــوات.

ثــم تــمــازجــت احــتــفــالات العيد باحتفالات شعبية فولكلورية (دق الطبل، نفخ الزمر، اللعب بالسيف والترس، رقصات ودبكات شعبية محلية)… واتخذ العيد بعداً روحياً رسولياً كــرّس المقام ايمانياً ذا جــذور من فجر المسيحية، فبات الــجــنــوب مــعــظــمــه يـــشـــارك في العيد ونيل البركة من والدة الاله، ويتقاطر مــواطــنــون مــن الشوف والبقاع وبيروت وسائر انحاﺀ لبنان ضيوفاً على المغادشة مكرّمين كأنهم في بلداتهم.

عندما وفد اهل مغدوشة اليها، انكبّوا على زراعــة القمح وطحنه في بلدتهم (لا تــزال آثــار خمسة طواحين باقية حتى الــيــوم) ثم رزعــوا الزيتون وحــوّلــوه زيــتــاً في معاصرهم البدائية (ثلاث لا تزال منها إثنتان حتى اليوم) ثم زرعوا الكرمة وأصّــلــوهــا وجلبوا العنب الحيفاوي (من فلسطين) فاشتهر بــــ “عـــنـــب مـــغـــدوشـــة” وصــنّــعــوه واستخرجوا منه كحولاً وخموراً ثم زرعــوا النارنج (ليمون البوسفير) وأجــــادوا صنعه حــتــى لــيــنــدر ان يخلو بيت من مغدوشة اليوم من الكركه (الانــبــيــق) فاشتهر بماﺀ الزهر المغدوشي لبراعة تقطيره وحسن إستخراجه.

وبــــرع الــمــغــادشــة أيـــضـــاً في الــصــنــاعــة (الــخــيــاطــة النسائية والــرجــالــيــة، الــنــجــارة والـــحـــدادة والاسكافة والنحت الحجري).. وفي فنّ البناﺀ (اخذوه عن بنائين من آل الخرياطي في جون ساعدوهم على بناﺀ كنيستهم سنة 1895 ومذئذ برعوا فبنوا أبنية حجرية منحوتة ومــصــقــولــة فــي لــبــنــان وســوريــة وفلسطين).

وأهل مغدوشة أبناﺀ علم (أول مستشفى في صيدا مورست فيه الجراحة العامة كانت لمغدوشي) وذوو معرفة (المعلمون الاول في عــهــد الاســتــقــلال) انــتــشــروا في الجنوب يلقنّون العلم وينشرون الــمــعــرفــة بــيــن جــنــوبــيــيــن كــانــوا محرومين منه عهدذاك.

النص من وزارة السياحة والصور من غوغل

Leave a Comment