مساهمة الشرق والغرب والمحلي في مجاعة لبنان الكبرى أبان الحرب العالمية الاولى

اللبنانيون الذين عايشوا ظروف تلك المأساة توفوا بين عامي 1915 و1918، لكن أرشيفا جديدا تم الكشف عنه مؤخرا، يعيد تسليط الضوء على الظروف التي أودت بحياة ما بين 150 و200 ألف شخص من نساء ورجال وأطفال ماتوا جوعا على جوانب الطرق أو اضطروا إلى تأمين قوتهم من قشور الأشجار.

منطقة جبل لبنان كانت الأكثر تضررا بفعل المجاعة، حيث كانت كيانا مستقلا، “متصرفية جبل لبنان”، في ظل الحكم العثماني، وكان تعداد سكانها يبلغ 450 ألف نسمة، وقد شكلت نواة الجمهورية اللبنانية التي أبصرت النور بصيغتها الحالية عام 1920. وكانت هذه المجاعة احد الأسباب غير المباشرة لاعادة مناطق زراعية إليه، مثل سهل البقاع حتى تتمكن جمهورية لبنان الناشئة من الاستمرار والبقاء.

المؤرخ كريستيان توتل والأب بيار ويتوك نقلا في كتاب أصدراه مؤخرا بعنوان “الشعب اللبناني ومآسي الحرب العالمية الأولى” عن شاهدٍ قوله إن الناس وبفعل الجوع والأمراض “كانوا ينهارون على الأرض ويتقيئون دما”. ويضيف “كانت جثث الأطفال تلقى بين أكوام النفايات”.

ويوضح المؤرخ يوسف معوض أن “الناشطة الإصلاحية التركية المعروفة خالدة أديب، قالت إنها لم تعد تجرؤ على النوم في بيروت، لأنها كانت تسمع طوال الليل أشخاصا يصرخون: جوعان جوعان (أنا جائع)”.

أما عن الأسباب فإن المؤرخ والأستاذ الجامعي عصام خليفة أشار إلى إن مجموعة عوامل تضافرت ضد لبنان منها “الواقع الجغرافي لجبل لبنان، حيث كانت أراضيه لا توفر الغذاء إلا لأربعة أشهر في السنة”. كما يوضح أن الوضع ازداد سوءا بعد “الحصار البحري الذي فرضه الحلفاء” على البحر الأبيض المتوسط لقطع الإمدادات عن العثمانيين.

لكن الحصار البري الذي فرضه الحاكم العثماني العسكري جمال باشا، شكل العامل الأبرز في خنق سكان منطقة جبل لبنان الذين كانوا بمعظمهم من المسيحيين الموارنة المحميين من فرنسا، مما أثار المخاوف من قيام الموارنة بدعم حملة الحلفاء، وكان ينبغي بالتالي تجويعهم قبل أن يتسلحوا.

In the midst of starvation by Miriam Pease

In the midst of starvation by Miriam Pease

وفي عام 1915، الذي عرف بـ”عام الجراد”، التهمت جحافل الجراد كل شيء، ويقول معوض إن العثمانيين صادروا خلال الحرب الحيوانات التي كانت تستخدم في النقل والمحاصيل، ولكنه يعتقد أنه تم طمس هذه الحقبة المؤلمة في أذهان الناس بسبب شعور بالخجل والذنب، ذلك إن الموت جوعا لا يعتبر عملا بطوليا على غرار الموت في المعارك الحربية.

بعض العائلات اللبنانية أصبحت ثرية بفضل بيع منتجات كانت مخزنة لديها بأسعار باهظة، ويروي المؤرخون أن نساء بعن أجسادهن مقابل كسرة خبز، وتخلى رجال عن أراضيهم مقابل برتقالة. ولم يقتصر الأمر على الجوع إذ خلت قرى بأكملها من سكانها بعد وقوعهم فريسة أمراض التيفوئيد والكوليرا التي انتشرت بسرعة كبيرة.

وتبقى الصور النادرة التي التقطها المدير العام للجمعيات الخيرية في جبل لبنان آنذاك إبراهيم نعوم كنعان، مخاطرا بحياته، بسبب الرقابة العثمانية المشددة، هي الشاهد المادي الوحيد المتبقي عن تلك الحقبة المؤلمة. حيث توثق صور كنعان لوقائع صادمة، بينها امرأة نحيلة برزت عظامها تتناول قطعة من الخبز وصورة أخرى لجثث هزيلة ملقاة على الأرض.

المجاعة طبعت الأدب اللبناني مع رواية الرغيف (1939) لتوفيق يوسف عواد وقصيدة “مات أهلي” لجبران خليل جبران، أكثر الأدباء اللبنانيين شهرة، حيث قال في قصيدته هذه “مات أهلي جائعين (…) ماتوا صامتين لأن آذان البشرية قد أغلقت دون صراخهم”.

Sources:
Images: الصور بعدسة ابراهيم نعوم كنعان لحقبة المجاعة بين 1915 و1918
المؤرخ اللبناني يوسف معوض، الأستاذ بالجامعة الأمريكية ببيروت، يشرح لفرانس24 الأسباب الحقيقية وراء تجاهل هذا التاريخ.
رسالة من عبدو باسيل.
Radio Monte Carlo.
Agoraleaks.
mtein.org.

Leave a Comment