كمال ديب – بيروت هي عاصمة الكتاب ودور النشر والإعلام والتربية والتعليم والموسيقى والطرب والمسرح والشعر والفكر

Lebanon's cultural history: from the Renaissance to the 21st century

Kamal Deeb – Lebanon’s cultural history: from the Renaissance to the 21st century

مقتطفات من مقابلة مع الكاتب كمال ديب على تلفزيون الميادين.

غسان الشامي: ما يهمّنا فيه هو عصر النهضة أو هذا التأريخ لعصر النهضة. ما يلفت النظر أن لبنان لم يُجمع أهله ولا ساسته قطعاً على كتاب تأريخ واحد. لا يوجد كتاب مدرسي تاريخي للبنان. وتجيء أنت هكذا بكتاب عن تاريخ لبنان الثقافي منذ عصر النهضة حتى يومنا. كيف؟ لماذا؟

كمال ديب: أعتقد أن الشعب في لبنان والمنطقة يقبلون أو يتوافقون على تاريخ ثقافي، من كتّاب، من أدباء، من مسرح، من فيروز، إلى آخره. هناك إجماع على هذا الأمر. كتاب التاريخ وإشكالية تاريخ لبنان والقرن العشرين وتركيبة الدولة اللبنانية والنظام السياسي وإلى آخره موضوع شائك يتعلق بمَن الأقوى والصراعات المحلية. بينما حين نأتي إلى الموضوع الثقافي، هو موضوع آخر تماماً. كل العالم العربي يعرف أن بيروت هي عاصمة الكتاب ودور النشر والإعلام والتربية والتعليم والموسيقى والطرب والمسرح والشعر والفكر أيضاً. لذلك، أردنا أن نقدّم شيئاً جميلاً. هناك تقاطر لمئات الكتب التي تحكي لك عن حروب لبنان والمشكلات السياسية والبيوغرافيا والزعامات السياسية وصراعات الشرق الأوسط. فلنعُد ونُبرِز الأمور الجميلة في هذا البلد.

غسان الشامي: أنا سآتي إلى هذا، إلى بيروت عاصمة ثقافية. ولكن هذا الحاضر الذي نعيشه هو حاضر غرائبي ومتّسخ، للأسف على هذه الكلمة. هذا يدعونا إلى التساؤل مع هذه المدة الطويلة للنهضة: ما الأدلّة فعلا ًعلى وجود نهضة؟

كمال ديب: طبعاً ننطلق في الكتاب من أطروحة بسيطة التي هي “النهضة موجودة ومستمرة”. حين نقول عصر النهضة، كثيرون يعتقدون أنه القرن التاسع عشر والصوَر بالأسود والأبيض والطربوش وكذا. لا، نحن اليوم في العام 2017 في عصر النهضة، نحن ما زلنا في عصر النهضة. وكذلك النهضة الأوروبية ما زالت تعيش عصر النهضة. النهضة عمل مستمر.

هذه هي النقطة الأولى. النقطة الثانية، هناك كثيرون من أعداء النهضة، ومنهم كبار المثقفين في الثقافة الغربية أيضاً ينكرون على لبنان والعرب أنهم نهضوا وأزالوا النير العثماني الذي كان مدة 400 سنة من الظلام والتخلّف والحرمان وأنهم فعلاً انطلقوا. والأدلة كثيرة، والفصل الأول يعالج مسألة أدلة وجود عصر النهضة وانطلاقة عصر النهضة.

غسان الشامي: ما هي هذه الأدلة؟

كمال ديب: 400 سنة من الاستعمار التركي قضت على اللغة العربية. فصارت عودة الروح إلى اللغة العربية. أين؟ في الأديرة والمعابد وفي حلب وفي حمص وفي بيروت وفي جبل لبنان.

غسان الشامي: ثانياً.

كمال ديب: ثانياً، ظهور الصحافة، الإعلام المكتوب. صارت أيضاً صحافة متنوعة: صحافة إعلامية، صحافة عن الطب، عن العلوم، عن المعارف. ثالثاً، بدأ الشعر الوطني المنظوم نظماً جيداً مثل إبراهيم اليازجي: “تَنَبَّهوا وَاسْتَفيقوا أَيُّها الْعَرَبُ”.

ثم ظهرت جمعيات علمية. ثم بدأت تظهر جامعات حديثة مثل الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة مار يوسف اليسوعية. وصارت العلوم الحديثة موجودة. وصار هناك وعي وطني. ما الوعي الوطني؟ الابتعاد عن ظلمات الرجعة الدينية والتخلّف والظلام، والتكلّم على المواطنة. بطرس البستاني أشار إلى 22 شرطاً للمواطنة: حب الوطن من الإيمان، عدم العنصرية والتمييز بين الناس، فقط على أساس الولاء للوطن، أن يحترم الإنسان القوانين، حرية المرأة، حرية الصحافة. هناك عدة أدلة أخرى.

غسان الشامي: أنت ذكرت أدلّة على وجود نهضة. إذا سلّمنا أن هذه نهضة، هناك كثيرون يخالفونك الرأي. فعلياً ما الأسس التي اتّكأت عليها هذه النهضة؟ وكيف؟

كمال ديب: أولاً، صار هناك وعي وطني أننا شعوب جديرة بالحياة. في سوريا، في مصر، في العراق، في لبنان، صار هناك شعور بأننا أمم تريد أن تنهض. صارت هناك عودة إلى إحياء اللغة العربية. صار هناك مزيد من التربية والتعليم. صار هناك أننا يجب أن ننضمّ إلى العصر الحديث. صارت هناك بنية تحتية. مثلاً، كيف تعمل نهضة والبلاد مفكّكة والطريق إلى الأرياف والمدن الأخرى بلا طرق؟ دخلت السيارة، دخل القطار، دخلت الكهرباء، دخل الهاتف، دخلت كل ظواهر العصر الحديث وصار هناك أدب، أدب محلي، صار هناك شعر حديث، صارت هناك لغة جديدة، تجدّد في اللغة. وصار هناك أيضاً أن الناس يتوقون إلى ظهور الدولة العصرية المدنية الحديثة. كل هذه مظاهر أن البلاد ليست أدغال أفريقيا أو صحارى تركستان.

غسان الشامي: ولكن ما ذكرته من الأسس هو أسس غربية بامتياز، بما فيها محاكاة النهضة الشعرية في الغرب. ولكن كل تلك المنتجات العصرية هي منتجات صنعها الغرب، لم تُصنَع من عنديّات اللبناني ولا الإنسان في المشرق. هنا، ما هو أثر الغرب في تكوين هذه النهضة؟ هل يعيبها التغرّب؟ لأنها لدى جزء كبير من النقّاد أنها نهضة تغريبية وليس فقط متغرّبة.

كمال ديب: لولا الصدمة الحضارية الغربية لكان كل القرن التاسع عشر المنطقة العربية والمشرق العربي في سبات مستمر.
أنت تعرف أن مئات السنين مرّت فصار الناس يؤمنون بالغيبيات. لم يعد هناك طب، لم يعد هناك علم، لم تعد هناك معرفة. الجهل وعمى القلوب والأمراض والجوع في كل البلاد العربية كان في تلك الفترة. التحدّي الحضاري أتى مع حملة نابوليون أي عام 1798. جاءت إليك دولة من الغرب، من أوروبا، بمدفعية، بسفن حديثة، بعلوم، بمهندسين، إلى مصر، دولة متخلفة، لا يزالون على الأحصنة وبالسيوف، وخلال أيام بسيطة أو ساعات هزموا واحتلوا مصر. استفاق المصريون في اليوم التالي، ماذا فعلنا وماذا حلّ بنا؟ نحن الفاطميين والأمويين ومجد بغداد، كيف وصلنا إلى هنا بعد مئات السنين؟ صرنا آخر أمّة في الأرض وآخر دول العالم. صار هناك احتكاك في أوروبا.

غسان الشامي: كلها أخذت من بعضها البعض.

كمال ديب: شعوب الأرض، مرة العرب ينهضون، مرة الصين تنهض، مرة اليونان تنهض، مرة إيطاليا في عهد الرومان تنهض، وفي النهاية كلها تصبّ في بعضها البعض. فالصينيون منذ آلاف السنين اخترعوا الورق الذي تستعمله كل الكرة الأرضية اليوم. والكنعانيون القدماء اخترعوا الأحرف الأبجدية، كل الكرة الأرض بما فيها أوروبا وأميركا وروسيا كلهم يستعملون الأحرف التي اخترعها الكنعانيون على هذا الساحل. ففي النهاية، هذا التلاقح بين الشعوب ولقاء الشعوب لا يجب أن يكون فيها حرج أننا نحب أن نكون مثل أوروبا أو كذا. لكن فعلاً، حين نقول إن عناصر النهضة مثل نهضة الغرب، لكن هناك ردة النهضة، هناك anti-نهضة، الرجعة أننا يجب أن نعيد الدين.

غسان الشامي: هذا ما أريد أن أسألك عنه. هل موقف الذين يتّهمون النهضة بالتغريب هو موقف من أن هذا الغرب كان مسيحياً؟ هنا أريد أن أسأل: هل هذا يشي بأن أغلب روّاد النهضة كانوا من المسيحيين؟ أي كانت مثاقفتهم مع الغرب المشابه لهم في الدين؟

كمال ديب: حتى لو كانت ثمة أغلبية مسيحية في سوريا ولبنان، لكن لم يكن منطلقهم أنهم مسيحيون، بل كانت مصادفة. والدليل على هذا أن مَن شاركوا في النهضة من مصر معظمهم من المسلمين. لا أحب هذه التصنيفات …

غسان الشامي: ولا نحن، هذا في مجال القراءة الواقعية للأمر.

كمال ديب: فهمت سؤالك.

غسان الشامي: لأن أغلب الذين خرجوا من بلاد الشام…

كمال ديب: الجواب على هذا أن الكتاب يطرح إشكالية: هناك النهضة التي هي كلها العناصر التي تحاول أن تكون أنه كيف حصلت نهضة في أوروبا أن تحصل نهضة للعرب. ما عناصرها؟ الأدب، الشعر، المسرح، السينما لاحقاً، الصحافة، حرية المرأة، الديمقراطية، التنوّع، الحياة السياسية. كل العناصر هذه نعرف أنها عناصر وُجدت في أوروبا. الـanti-نهضة يريدون الردة الدينية أنه يوما ما كانت الأمّة الإسلامية، والآن تركيا خربت وصار فيها فساد وسلاطين آل عثمان كيف يتصرّفون وهم جعلوا الإسلام يتراجع إلى الوراء. هؤلاء لا يريدونهم. الـanti-نهضة لا يريدون هذه العناصر التي نتحدث عنها من مسرح وأدب وموسيقى وشعر وحرية المرأة وديمقراطية. لا يريدونها.

غسان الشامي: وصلت الفكرة. ولكن من منطلق ديني؟

كمال ديب: من منطلق ديني. وهؤلاء عدة أنواع. في عصر النهضة صارت ثمة 17 فرقة، وهذه مطروحة في الكتاب، 17 فرقة في بلادنا، أربعة منها تريد الردة الدينية التي يسمونها إحياء الدين، أنه فقط العودة إلى الإسلام السليم والصحيح هو ما يحرّرنا من الاستعمار وهو الذي في النهاية يتصدى للهجوم العسكري الثقافي الحضاري الهاجم علينا من أوروبا. هذه أربعة. وإذا أردت نعدّدها.

غسان الشامي: لا مشكلة. أنا أحيل الناس إلى الكتاب.

كمال ديب: وهناك عشرة غيرها كلها، حين نتكلّم على القومية وإلى آخره نتطرق إليها، كلهم يحبون أن يصير ثمة مجد لهذه البلاد من خلال العناصر التي هي النهضة.

غسان الشامي: وكان بينهم مسلمون: الأفغاني، الكواكبي.

كمال ديب: هنا أنا أقول مثلاً إن مَن يحاولون أن يعملوا إحياء لهذه البلاد من خلال الدين هم مَن كانوا anti-نهضة. حين تقول الأفغاني أو محمّد عبدو أو رشيد رضا، هؤلاء الناس الذين يتحدثون عن إحياء الدين. إذا أردت أن تصنّفهم ضمن النهضة، لا يمكننا أن نصنّفهم. في الكتاب عملت …، عملت أن هناك أناساً ساروا في مسار مستقل عن طريق الدين، وهناك أناس هم النهضة، ربما فيهم الكثير من المسيحيين، لكن لم يكن هذا هو الأساس. مثلاً الشاعر خليل مطران أو أمين الريحاني، هم كانوا ينادون أنه أدب وثقافة وحضارة ونهضة بعيدة عن التمييز الديني، بعيدة عن الهوية الدينية. ولمّا كانوا ينادون بالمواطنة، المواطنة ينصهر فيها المواطنون كمواطنين لدولة، وإذا كانت لكل منهم ديانة فهذا شأن خاص به، لا يكون هو الأمر الطاغي في المجتمع. وهذه في أساسها فكرة أوروبية. فصل الدين عن الدولة من أيام إمانويل كانت منذ 300 أو 400 سنة. لمّا حصل عصر النهضة في أوروبا صار أننا يجب أن نسير كأمم، كدول ليست مرتكزة على الكنيسة أو على الدين.

غسان الشامي: هنا كيف تفسّر استعلائية دعاة لبنانية النهضة أو لبنانوية النهضة والحمّى التي تصيبهم لعزل لبنان عن المشرق وبلاد العرب؟

كمال ديب: هذا الموضوع تقريباً ليس له علاقة بموضوع النهضة الثقافية. له علاقة بتطورات الأحوال في بلاد الشام بعد الغزو الفرنسي والاحتلال المصري الذي صار، أي إبراهيم باشا وإلى آخره. فرنسا كما فعلت في أوروبا تريد أن تنشر الثورة الفرنسية ومبادئها في أنحاء أوروبا. ونوعاً ما صاروا يدخلون في ألمانيا وروسيا ويعطون حقوقاً لليهود والأقليات. ولمّا نابوليون خسر وتراجع وووترلو وكذا صارت ثمة ردة فعل. في ذلك الوقت، في أواسط القرن التاسع عشر، بدأت تظهر معاداة الساميّة كما يسمونها في أوروبا. لكن في حال بر الشام، دخل إبراهيم باشا وصار يعمل كما أن الفرنسيين يحبون نشر الثورة الفرنسية، إعطاء حقوق الأقليات، تقليص الإقطاع، منح مظاهر الدولة الحديثة، إنهاء مسألة الجزية والخراج، أي الضرائب الإسلامية على الأقليات، والذمية، وصار يعطي حقوقاً للمسيحيين. لمّا انسحب الجيش المصري وعاد العثمانيون بمساعدة بعض القوى الأوروبية، صارت ردة فعل، ولعشرين سنة يسمونها قلاقل، لكنها مجازر ومذابح وحروب وانتهت عام 1861 بمجازر جبل لبنان ودمشق. الناس يقولون الموارنة والدروز في جبل لبنان، لكن أيضاً مجازر كبرى بالآلاف بحق مسيحيي دمشق، وحدثت كارثة لكل سوريا بالنسبة للأقليات والمسيحيين. فهذه كانت جذر أن يكون لبنان نوعاً ما بلداً منفصلاً. عملوا له متصرفية. وعادت ودخلت فرنسا.. وليس فقط لبنان، انتبِه. كانوا يريدون أن يعملوا ست دول: دولة درزية، دولة علوية، دولة سنيّة، دولة للأرمن في كيليكيا، والجمهورية اللبنانية، ودولة لليهود يريد أن يعملها الإنكليز. لبنان نجح، والباقي حصلت ثورات فمنعوها.

غسان الشامي: جمعت كل مَن عاش أو عمل في لبنان أو نشر في لبنان ضمن لبنان الثقافي تأريخياً. ألا تخشى من لبننة هؤلاء أو أن دعاة اللبننة ينكرون عليك ذلك؟

كمال ديب: الكتاب أيضاً من دعاة اللبننة. فخر للبنان أن يكون هو البوتقة، أو بيروت العاصمة الجذّابة لكل ما فيه مواهب فنية وثقافية وموسيقية وأدبية من العراق ومن سوريا ومن مصر ومن الجزيرة، يأتون إلى لبنان وينشرون ويكتبون ويمثّلون ويغنّون ويعملون الأمور هذه. هذا فخر للبنان. فلبنان ليس لبنانياً حصراً. فميزة البلد لينهض ثقافياً، تستفيد الدولة ويستفيد الشعب، وبيروت هي إشعاع حضاري للمنطقة. مَن يقول إن باريس مثلاً استقبلت شوبان من بولندا؟ والمطربون الذين أتوا، داليدا وغيرها من كبار المطربين الفرنسيين في الستينات، “شونسونييه” وسواهم، كلهم ليسوا فرنسيين. لكن هل يستطيع أحد أن ينكر أنهم جزء من الثقافة التي نهضت في باريس؟ هل يستطيع أحد أن ينكر أن فريد الأطرش ووردة الجزائرية وأسمهان وفايزة أحمد والسوريين كلهم ونجاة الصغيرة وغيرهم، أنهم جزء من الثقافة التي كانت في القاهرة؟ طبعاً لا. ففخر لبيروت وللبنان أن يكون جذّاباً. ليس ضرورياً أن يحمل الجنسية اللبنانية ليبدع بالثقافة في بيروت.

غسان الشامي: كتابك هذا موشوم بالتفاؤل. واضح التفاؤل، فيه جرعة عالية من التفاؤل، وأيضاً تفاؤل باستمرار النهضة على الرغم من القتامة بل السواد الثقافي الذي نعيشه في لبنان والمشرق. كل هذا التفاؤل من أين جاءك؟ هل لأنك تعيش في الغرب؟ أو لأن القراءات أوصلتك إلى هنا؟

كمال ديب: في هذه الأيام ليس مهمّا الإنسان أين يسكن. هي القراءات والأبحاث التي أجريتها تحضيراً لهذا الكتاب هي التي أوصلتني. هناك جانب من الكتاب هو جانب فلسفي وهو ما النهضة، Renaissance. بدأ بها إمانويل كانت …، أنه فجأة ينقشع السحاب وتظهر الشمس وتنهض الشعوب، وأنه في أوروبا حصلت أمور. مثلاً حصلت المرحلة النازية، كيف أن ألمانيا التي انطلقت منها معظم أوجه النهضة الفلسفية والأدبية والمسرحية وغيرها تحصل فيها الحركة النازية. و80 مليون ألماني من 1933 حتى 1945 يسير مثل الأعمى خلف هتلر ودمار للكرة الأرضية كلها. لكن “هبرماس” هو فيلسوف ألماني، وهو يعتبر نفسه تلميذاً لفلسفة النهضة من عهد إمانويل كانت، يقول إن النهضة مثل الإنسان، يُضرب صفعة، صحيح أنه ينحني لكنه يعود ويستقيم. فألمانيا مجرّد أن انتهت الحرب عادت واستمرت في النهضة وبالإنتاج وبالصناعة وبالازدهار. والحرب اللبنانية لم تكن أبداً أن يعود لبنان كما كان وتستمر النهضة. والدليل اليوم عدة أدلة: أحدها أن لبنان، فيما الحروب تشعل المنطقة، في بيروت اليوم 50 مسرحية.

غسان الشامي: هذه سياسة عالمية.

كمال ديب: وإن يكن. ثمة مدنية في لبنان، ثمة ثقافة وثمة نهضة في بيروت تساعد على هذا أيضاً. الناس لا يتقاتلون في الشارع وكل واحد يضرب الآخر صفعة. هذا على صعيد فردي وعائلات ومدن ومناطق أيضاً تساعد. ليست كلها من الخارج مثل رجل آلي أن امشِ هكذا ولا تقتل رفيقك. لكن بالنسبة لبيروت، هناك 50 مسرحية تتفاوت بالنوعية، لكن توجد. ثمة سينما لبنانية حيّة وتقلّد دول عربية أخرى أفلام السينما اللبنانية. معرض الكتاب، على الرغم من أن الصحافة كلها تستقبله بشكل روتين، لكنه حركة ثقافية مهمة بالنسبة لبيروت. هناك 400 دار نشر. والجامعات نشطة، وكل الدول العربية وحتى إن هناك دولاً أوروبية تحب أن ترسل أبناءها ليتعلموا في جامعات لبنان. وأكبر إثبات أن كل جامعات العالم في أوروبا وأميركا، المتخرّج من الجامعات في لبنان يستقبلونه فوراً وينجح في تلك البلاد. فلا مجال لأعدّد أموراً كثيرة. لكن فعلاً، على الرغم من كل ظروف لبنان الصعبة، نعم طبعاً هناك تفاؤل أن النهضة مستمرة.

شهد المشرق إنشاء أول مطبعة عام 1610 في دير مار أنطونيوس قزحيّا في وادي قنوبين، استخدمت الحرف السرياني والكرشوني. ثم أُسّست في دير مار يوحنا الصايغ الخنشارة، وهو حلبي، المطبعة العربية الأولى التي استخدمت الحرف العربي عام 1733.

قفزت الطباعة في لبنان بعد الحرب الكونية الأولى والانتداب ومجيء المطابع الأرمنية، فتم استيراد الآلات وتوسّعت الخدمات الطباعية، وبات عدد المطابع عام 1944 بحدود 32 مطبعة. وتوسّعت حركة النشر فتأسس اتحاد الناشرين عام 1947، وتحوّل إلى نقابة في إطارها القانوني عام 1972.

وتابع النشر والطباعة ازدهارهما وارتفع عدد المطابع إلى أكثر من 52 بعد عام 1950، إضافة إلى معامل التجليد ومسابك الحروف بالعربية والتركية والفارسية والسريانية والكلدانية.
ولم تتوقف عمليات النشر أو تتراجع الطباعة، وبات لبنان يستقطب المهتمين والمثقفين والكتّاب والشعراء في العالم العربي إذ يبلغ عدد دور النشر حالياً نحو 500 دار، وعدد مؤسسات الطباعة نحو 200 مؤسسة. وينتج لبنان نحو 30 بالمئة من مجموع العناوين الصادرة في الدول العربية كلها والبالغة نحو ثمانية آلاف و500 عنوان في السنة.

أمّا معرض الكتاب السنوي فيه فقد بلغ عمره هذه السنة 60 عاماً.

غسان الشامي: تكلّمنا على هذا. ولكن هذه النهضة أيضاً تموضعت بين حدّين متناقضين بقراءات النهضة: إمّا العودة إلى التراث الديني تحديدا، أو الذهاب إلى الحداثة بكل متطلباتها وعلميتها. نحن الآن على بعد هذه المسافة من النهضة في القرن التاسع عشر وصولاً حتى اللحظة. مَن انتصر؟ وأين تقف النهضة الآن؟

كمال ديب: الآن هناك انكسار ونجاح للطرف الثاني. حتى نكون أكثر تحديداً حتى يستوعب المشاهد عمّا نتكلم، هناك أربع حركات تريد إحياء الدين. هناك حركة قديمة منذ 1750 هي الحركة الوهّابية، ثم في العشرينات الإخوان المسلمون، ثم الأكثر اعتدالاً الإصلاحيون الذين يقولون إنه يمكن إصلاح الدين الإسلامي بمعنى كيف نستوعب التكنولوجيا، كيف نتعاطى بالدولة وتطوير الدولة وإلى آخره. وكُتب عن هذا الموضوع، من الأفغاني أو محمّد عبدو أو رشيد رضا وغيرهم، وكتبوا في المجلات وفي “الهلال”. والنوع الرابع هو الصوفية المصرية وفي شمال أفريقيا، أن مسألة الدين حال خاصة وهناك دولة خارج هذا الأمر. فلذلك، في مصر طبيعة الشعب المصري أنه من الحركة الصوفية المسالمة بطبيعتها. وتقابلها عشر حركات قومية هي القومية العربية، القومية اللبنانية، القومية السورية، حتى القومية الفلسطينية، والليبرالية والشيوعية والاشتراكية. هذه كلها نجحت إلى حد بعيد في الوصول إلى رأس الحكم في أهم الدول العربية: في مصر وسوريا والعراق والجزائر ولبنان. لكن بعد هزيمة 1967 صارت مضاعفة أسعار البترول، وتلك الجهات التي تطلب إحياء الدين صار لديها المال.

غسان الشامي: 50 عاماً من الانحدار.

كمال ديب: صارت تنفق على التسليح أولاً في أفغانستان، وصارت تظهر في كل الدول العربية حركات جهادية وإسلامية، ووصلنا إلى الحرب السورية، صارت في أوج انطلاقتها، الإنفاق الرهيب على التسلّح الديني. وتبيّن إلى حد ما أن تلك الجهة هي التي انتصرت وليس الحداثوية والنهضوية والتي تؤمن بعناصر النهضة التي تكلّمنا عليها. فلذلك، الحرب في سوريا نوعاً ما ستحدّد كيف يتّجه العالم العربي في مسألة النهضة.

غسان الشامي: في الواقع، أنت محامٍ بارع. ولكن لأعُد إلى الكتاب: أنت تحدثت عن خط نهضوي على جغرافيا المشرق من حلب إلى بيروت فالقاهرة. هذه الثلاث جعلتها خطّاً نهضوياً. كيف ربطت نقاط هذا الخط؟

كمال ديب: كان هناك نوع من التواصل الديمغرافي بين وادي النيل وهذا الخط الذي امتدّ من سيناء إلى فلسطين إلى بيروت وحلب امتداداً من حمص وغيرها، وكانت هناك الإرساليات الأجنبية التي سمحت لها الإمبراطورية التركية. ما حصل، بصرف النظر عمّا يحصل في اليونان، أن هذا الخط كان الأكثر تطوّراً لناحية الثقافة والتربية والتعليم، من ناحية، بفضل الإرساليات الأجنبية وافتتاح المدارس ووجود المطابع.

غسان الشامي: يوحنا الخنشارة.

كمال ديب: صدف أن الإرساليات الأجنبية ركّزت على المسيحيين. كانت مصادفة. مثل المطران فرحات في حلب، حتى لو كان رجل دين، كتب 40 كتاباً في قواعد اللغة العربية. هذا إبداع لا علاقة له بما هي ديانته. لكن في مصر التي كانت وقت الإنكليز أكثر تسامحاً بالنشاط الثقافي لأنهم لا يستفيدون منه شيئاً مثل القطن وقناة السويس فتركوا الإعلام، والملك موجود كما يريدون. لكن أيضاً من كل فئات الشعب المصري وخصوصاً بفضل هجرة الشوام أي اللبنانيين والسوريين إلى القاهرة، أيضا انتشرت. فهذا هو المثلّث الذي كان نواة النهضة. كما أن حبّة الفاكهة لها نواة وهي التي تغذّيها، نواة النهضة العربية لكل العالم العربي كانت مثلّث حلب-بيروت-القاهرة الذي ظهرت فيه أهم المطابع والجامعات والصحف. فأول جريدة توزَّع وتباع ظهرت في حلب قبل أن تظهر جرائد لبنان ولاحقاً في القاهرة كالمقطّم وغيرها. فلذلك، باقي الدول العربية لم تكن فيها مثل هذه الحركة.

غسان الشامي: ما ذكرت يحيلنا مباشرةً إلى غياب أقدم عاصمة في العالم وهي دمشق، وهي أقدم عواصم المشرق. عندك وعند الكثيرين تغيب عن مراكز النهضة. ألم يلفتك هذا الأمر؟ لماذا؟

كمال ديب: حكى عنها الشاعر أدونيس مطوّلاً أن دمشق كمدينة بعد آلاف السنين صارت مكاناً وتجمّدت فيها الأمور. وبتركيبتها، بعائلاتها، بمجتمعها، لم تسمح للتغلغل العلمي والثقافي والأدبي والتجاري الغربي مثلما حصل في حلب وبيروت والقاهرة مثلاً. هذا كان السبب الرئيسي.

غسان الشامي: أوردت في الكتاب أن المثقف يجب ألّا يقلّ مبدئية عن السّيد المسيح وسقراط وآخرين. أين هو هذا المثقف في عالم النفط والخيانات والسلطات وتجار الحروب وسلالات القمع؟

كمال ديب: هو أنها مثيرة وتجذب المثقفين حين تكون هناك أموال وأشياء والنفط وغيره. الحروب مثل داعش والهجمات المتطرفة، جزء منها تقوم لها بحرب دبلوماسية وحرب إعلامية. أنا رأيت على التلفزيون في لبنان أن زعماء سياسيين يتكلمون أن 150 من كبار المثقفين في بيروت والإعلاميين والصحافيين اشتروهم ويكتبون في هذا النوع من الصحافة ليهاجموا الفكر القومي أكان قومياً لبنانياً أو قومياً سوريّاً أو قومياً عربياً أو عبد الناصر ويعتبرون أنهم أُجهضوا وأنهم غير جيدين وسيئون، ويستعملون عبارات سلبية، ممانعة، ويسخرون بهذا النوع من الكلام. لكن أيضاً لا يمنع أن نعود إلى مقولة محمود درويش:
“هذه خيمتي وهنيئاً لي”. مُفترَض للإنسان أن يظل محافظاً على موقف المثقف الحقيقي بقول الكلام الصحيح في وجه السلطان من دون مهابة ومن دون خوف.

غسان الشامي: بوجه سلطان جائر.

كمال ديب: بوجه سلطان جائر إذا أردت، أو مبتسم. لكن المهم أن يظلّ الإنسان محافظاً على مبادئه ولا ينغرّ كثيراً بأن يحصل على مُتَع مادية زائلة. فمسؤوليته أكبر من السلطة. السلطان أو الملك أو الرئيس هو مَن يأتي إلى المثقف، وليس أن يذهب هو ويتودّد له أن أعطِني سيارة وأعطِني بيتاً وأعطِني مالاً.

غسان الشامي: هذه لن تحصل عندنا.

كمال ديب: لا، هناك شرفاء كثر، هناك أشخاص كثر في بيروت، مئات الأشخاص يعملون، منهم أصدقاء، منهم الدكتور جورج قرم.

غسان الشامي: هذا الكتاب ماذا يضيف إلى كتاب فيليب حتّي المرجعي تاريخ سوريا؟

كمال ديب: كتاب فيليب حتّي History of Syria including Lebanon and Palestine، أي
تاريخ سوريا بما فيها لبنان وفلسطين. كتاب فيليب حتي حجمه نحو 1500 صفحة، وبعد ترجمته إلى العربية صار نحو ثلاثة آلاف ربما. جزّأه تاريخياً ابتداءً من عمق التاريخ. نحن حين نقول ما قبل التاريخ أي ما قبل ستة آلاف سنة، أي قبل أن يبدأ التدوين التاريخي، ومروراً ببلاد ما بين النهرين.

غسان الشامي: أنت كيف جزّأته؟

كمال ديب: كل المراحل التاريخية التي تكلّم عليها وضعتها في البداية حفاظاً على تراث فيليب حتي وغيره من الناس الذين كتبوا في التاريخ القديم لسوريا. ولاحقاً بدأت من بداية عصر النهضة، من دخول نابوليون إلى الشرق في آخر مئتي سنة، وصرت أتوسّع ثم أدخلت عناصر أبحاث جديدة منها أنهم يقولون إن الجمهورية السورية خلقها الفرنسيون في القرن العشرين جرّاء التجزئة. أنا أقول إنه عبر آلاف السنين، الشعب الموجود في سوريا ولبنان لم يتغيّر. الكنعانيون أو مَن يسمونهم الفينيقيين أو العموريون الذين هم أيضاً كنعانيون أو الآراميون في دمشق والبقاع وغيرها أو الأنباط في فلسطين أو غيرهم، كلهم ما زالوا موجودين. والأبحاث العلمية الغربية تثبت لك من الـDNA أن الشعب هو نفسه، وليس خليط شعوب وتداخلاً تركيّاً وأرمنيّاً.

غسان الشامي: كم صفحة الكتاب؟

كمال ديب: الآن نحاول أن نقلّصه قليلاً، نحو ألف صفحة. هذه فكرة. فكرة ثانية أن الصراع على سوريا لم يبدأ في الخمسينات في الحرب حسب باتريك سيل، بل هو منذ فجر التاريخ. تأتي شعوب في البداية من بلاد ما بين النهرين وشعوب من وادي النيل، الفراعنة والأشوريون، يتقاتلون على مَن يأخذ سوريا. ثم الفرس والإغريق، ثم الفرس والرومان، ثم البيزنطيون والفرس.
دائماً في سوريا هناك ساحة صراع. ثم المغول، ثم الأتراك، ثم حروب الفرنجة الصليبيين. فمنذ آلاف السنين هناك theme يتكرّر في سوريا هو الصراع على سوريا. والحرب هذه جزء من هذا الصراع والمخاض التاريخي الطويل مَن يضع يده على سوريا.

غسان الشامي: كلمة واحدة: كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟

كمال ديب: طبعاً أنت تذكر تفاؤلي. أنا مثلاً أعتقد أنه تضيع هذه البلاد ونهضتها وإلى آخره إذا لم تنتصر الدولة السورية. وهي تنتهي بالطريقة هذه.

Leave a Comment