فخر الدين الثاني المعني الكبير


Click on image to see enlarged picture. The picture is copyrigted by deirelqamar.com © copyright by GDN & Associates, 2002 -all rights reserved
WIKIPEDIA

1572 – 1635

“كان فخر الدين المعني، سليم الصدر، صافي السريرة، متواضعا، بشوشا. وهو في حلبة الطعان عبوس، هيوش. حليم عند الغضب، ما سمعت عنه الكلمة الفاحشة قط. يصغي الى المظلوم فينصفه من ظالمه ويرثي لحاله، فيكون له خير راحم.

قصير القامة، حنطي اللون، لطيف الهامة، مهاب، جليل، ذو عطاء جليل، قوي العزيمة، شديد الحزم، حسن التدبير، وكما يعطف على الغني يحنو على الفقير”.

الشيخ احمد الخالدي الصفدي كاتب سيرة الامير

يقول عزيز الاحدب في كتابه ان المؤرخون اختلفوا في دين الامير واصله وادعت كل طائفة بانه ينتسب اليها. فقال المسلمون ان دليلهم انه كان مسلما سنيا، بناؤه للجوامع وتعدد زوجاته وصيامه رمضان هو وعياله. اما اسطفان الدويهي في كتابه تارخ الموارنة الصادر عام 1860 فيقول ان فخر الدين احسن مثوى المسيحيين المظلومين فاعتزوا في ايامه، وركبوا الخيل، ولبسوا السراويل الواسعة والزنانير المزركشة، وسمح لهم باقامة شعائرهم الدينية جهارا وبقرع النواقيس … وكان كل ذلك محرما عليهم من قبل. أما الدروز فلم يجدوا عناء في اثبات درزية الامير المعني، فالامير ولد من ابوين درزيين وعاش بين قومه الدروز وبقي درزيا حتى وفاته. أما اليهود فاطلق الحرية لحخاميهم ان يمارسوا شعائرهم وطقوسهم الدينية ولتجارهم ان يعملوا في الاراضي والمناطق الواقعة في امارته. المهم في الموضوع، يقول الاحدب، ان فخر الدين احترم الديانات السماوية واطلق حرية اقامة الشعائر الدينية.

ويضيف اللواء الاحدب المتقاعد في كتابه انه ومنذ ان تولى فخر الدين الحكم شعر ان لبنانه اي الشوف ليس كل وطنه وانه لن يتمكن ابدا من بناء وطن كبير ما لم ينهج نهجا معاكسا لنهج السلطنة التي حكمت بسياسة “فرق تسد”. ولكي يتمكن من اعادة الوحدة للمقاطعات اللبنانية، التي فرقها الحكام الخارجيون، كان عليه ان يهادن السلطنة وبذات الوقت يضم المقاطعات واحدة بعد الاخرى. وبدأ أولا بالمدن الواقعة على البحر. والبحر كان مهما للبنانيين على مر العصور لانه المتنفس الوحيد لهم ولتجارتهم ولفك حصارهم. وبدأ الحاق المقاطعات اللبنانية واحدة بعد الاخرى بواسطة اقناع حكام المقاطعات بمشروع بناء لبنان حر من السلطة العثمانية وولاتها.

ففي ذلك العام، اي 1623 وبعد ضم طرابلس استطاع لبنان- فخر الدين ان يمتد شمالا حتى طوروس-امانوس على حدود تركيا حاليا، وجنوبا حتى العقبة والعريش في مصر حاليا، ومناطق على تخوم دمشق، ومنطقة تدمر حيث بنى قلعة – انظر صورة القلعة اعلاه من موقع SyriaGate.com – ومناطق في حلب وحمص وحماة ومعان.

ونجاح الامير فخر الدين في جعل لبنان لبنانا كبيرا فهو دليل ان طموحات الشعب اللبناني هي اكبر من مساحته الصغيرة ولكن بذات الوقت لم يبدأ فخر الدين حربا لا هو ولا اللبنانيون من قبله ولا من بعده. وهذا كله يقول ان لبنان يريد ان يعيش بسلام وبحبوحة في ارضه المعترف بها دوليا. فالشعب السوري أو المنادين بالوحدة السورية او الوحدة العربية او الاسلامية يعطون دلائل ان لبنان كان تحت حكم سوريا او ولاة سوريين، او ان اصل الشعب اللبناني هو عربي او مسلم، في معرض مناقشتهم موضوع ان لبنان كان ولاية سورية او جزء من سوريا. والمنادين بالوحدة العربية يقولون بان اصل اللبنانيين هو عربي وبالتالي فان المناداة بوحدة عربية تجد لها احدى اهم الدلائل التاريخية، اي فخر الدين، لتبرير احقية هذه الدعوات. مع العلم بان فخرالدين اختار توسكانا في ايطاليا كمنفى له بعد اشتداد حصار الاتراك عليه.

نستطيع هنا القول ان فخر الدين ( الدرزي بالولادة والمسيحي بالحماية والمسلم ببناء الجوامع ) بانتصاره على والي دمشق والعثمانيين قال باسم اللبنانيين ان لبنان الذي نريده هو لبنان المتسامح الحر المستقل من اي نعت الا نعت نفسه بنفسه. فكما دعوات وحدة التاريخ والجغرافية، يستطيع اللبنانيون اليوم بحجة حكم فخر الدين على مقاطعات كبيرة في الشرق الاوسط ان يقولوا ان العريش كانت جزءا من لبنان وان تدمر وحماة كانت جزءا من لبنان وان الكرمل كانت جزءا من لبنان. وعلى هذا المنوال يستطيع ابناء روما اليوم الادعاء ان سوريا واسرائيل ولبنان ايطالية/رومانية، فهم حكموا الشرق الاوسط الف سنة. وبذات الحجة يستطيع الانكليز المطالبة بضم الولايات المتحدة لانهم استعمروها مئات السنين.

Emir Faḫereddin Ibn Maan

ان خيار انتماء اي شعب يقرره هذا الشعب نفسه ولا يستطيع احد ان يقرر عنه. ان اللبنانيون لم يطالبوا يوما بضم اي مقاطعة شرق اوسطية. وهم لم يهاجموا يوما اي مقاطعة او بلد، لا لسبب ديني ولا لسبب ايديولوجي على أقل تقدير . وكان الامير فخر الدين قد اطلق سراح والي دمشق بعد اسره، على امل ان يفهم الوالي ان الهدف ليس احتلال دمشق بل جلب السلام الى ربوع لبنان. وهل يوجد طريق اخرى لاقامة سلام وتعاون بين الشعوب والبلدان.

وللمقارنة: يخبرنا التاريخ ان غاريبالدي موحد ايطاليا الذي ولد في نيس التابعة وقتها لمملكة سردينيا، هي نيس نفسها الواقعة حاليا في فرنسا، استطاع ان يوحد ايطاليا بعد أن ضم كل المقاطعات الايطالية الصغيرة. وهو كان قد انتصر بجيشه على الفرق الفرنسية الكبيرة التي كانت بتصرف بابا روما بيوس التاسع. وكانت ايطاليا مقسمة بين مقاطعات تابعة للامبراطور النمسوي وبابا روما وحكام متفرقون واقطاعيون في الجنوب. ابن سردينيا الصغيرة يمهد الطريق في القرن التاسع عشر لبناء ايطاليا الموحدة التي نعرفها الان. أما فخر الدين، ابن جبل الشوف، فيوحّد ويبني لبنان الحديث في القرن السابع عشر، حوالي 200 سنة قبل غاريبالدي.

وللمقارنة ايضا، فنستطيع ان نذكر انه في التسعينات من القرن المنصرم نذكر ان صربيا بحجج قومية ايضا شنت حربا على البوسنة المسلمة وكرواتيا الكاثوليكية وسلوفينيا المختلطة ادت بعد مجازر خاصة في البوسنة الى استقلال كل هذه القوميات، البوسنية والكرواتية والسلوفينية، لان صربيا لم تستطع اقناع ابناء هذه البلاد بالانضمام الى صربيا الكبرى، لا بالحجة، ولا بالقوة. حتى مقدونيا الارثوذكسية المسيحية والاقرب الى القومية الصربية التي تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا، قررت ان تنفصل وتستقل عن صربيا.

ويبقى ان نختم هذه الصفحة الطويلة بالقول ان الامير نفسه قد قال لملك اسبانيا، عندما عرض عليه البقاء في اسبانيا وحكم مقاطعات اسبانية، “لم آت لحكم ولا لملك، انما اتيت لحماية لبنان”. وفي مكان آخر قال: “انا ايش اريد من السلطان، انا راضي باللقمه وشربة المي، وانظر والدتي واهلي وان ما رضوا مني بذلك والا الجبال واسعة، وان كان ما تساعنا الجبال والا الدنيا واسعة”.

مصادر اخرى: لبنان القوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *