جعيتا فن سماوي وإبداع علوي

وقفتُ في وسط المغارة، فإذا بي أمام فنّ سماوي، وابداع عُلْويّ، لا أدري كيف أسميّه! شموع ماردة، طالعة من أرض المغارة، وأخرى متدلية من سقفها فلا تدري، لروعتها، أهي مما أنبتت الأرض، أو مما أنزلت السماء.
أعمدة متفاوتة الأطوال والأشكال، وقفت في مغامض الماء وسكينة الصفاء، تتنافر حيناً، وتتناسق حيناً آخر، وبين حركتها والسكون، تكاد تسمع حسّ الزمان، وتتبيّن ملامح البهاء. وسرتُ في مغارة جعيتا، فإذا أنا بين تلك الشموع، تنعكس أشكالها الرائعات على صفحة الماء الساطعة كالنور، المجلوّة كالمرآة، الساكنة كالتاريخ، قبل أن يتحرك فيها القارب ويسبح بالمشاهد (المدهوش)، بين وقت وآخر، فستمع المجذاف يصافح رقرق الماء، ثم تراه يتدحرج عليه قطرة… قطرة، تاركاً وراءه دوائر تتسارع وتتّسع، ثم تتلاشى، وتعود الى هدوئها الأول، كأنها مرآة لرصانة الدهر وصدى التاريخ. ومهما كان من حقيقة تلك المسلاّت، وحكاية تكوّنها “الجيولوجي”، فأنا لا أعرف أهي أجسام تجمّدت أم أرواح تجسّدت؟ أم أنها ضلوع الصخر وروح الحجر، لا زالت تختلج بالسحر، ويسكنها الجمال، منذ الأزل.
لا أستطيع أن أصل الى وصف يحاكي جمال مغارة جعيتا، إلاّ إذا غمستُ هذا القلم اللبناني بالبهاء، لتستحيل كلماته اليوم قبساً يستمدّ من رواسم الأمس، فيحضن بحبره اللون والمشهد معاً، لترى ما آراه، من ذلك التاريخ الذي ترسّب، فنحتت فيه الطبيعة وجهها، وصبّته وجوهاً وأبداناً، وصلدته عسجداً ومرجاناً، وسمّرت فيه حيواناً وطيراً، وسكبته شموعاً، بل ضلوعاً، لها حظّ اللين من العين، وحظّ الصلابة من اللمس، فأنا هنا، واقف بين دموع المرمر، وأصابع الآلهة!
وما هو، حتى ركبتُ قارباً سبح بي بين أضلاع النور وشماعد السحر، والتوى بنا في ألفاف الجمال، فامتلكتني روعة خالصة واحساس خاص، امتازت به مغارة جعيتا، ومَن قال إن الجمال مطلق؟ إنه هنا وقف على الرهبة، حيث لا يخضر نبتٌ ولا تسيل بطاح… هذه الرهبة التي تزيد منها تلك النفحات الرطبة الباردة تتنسّم علينا من قلب الأرض، وتقترب بنا من قلب السماء. وإذا كان الفنان يُفرغ على صنيعه من نفسه، ليتجاوز الشكل الى الحسّ، فإن نفس الطبيعة – وهي نفحة الله – قد أفاضت على مغارة جعيتا قدساً كهيبة الصمت، أغرقها في حسّ مبدع وفنّ أخّاذ. لقد أحسستُ وأنا في قلب تلك المغارة، بما يُحس به سدنة الهيكل، حين تطوف بهم معاقد الإيمان، وحسبُك وحدة الجلال والجمال – تبارك الله في ما صنع -.
مغارة جعيتا، دونها “ذات العماد” وصولجان “بلقيس” و”بهرام”، نسج ضياء تحت الأرض تتوالى سلسل، على عذوبة إيقاع وثبات صفاء.
انها تنافر وتناسق، فنّ وتركيب، هو سرّ الكون ومسح الجمال. وأعظم من ذلك كله، انها عطيّة الفنان الأكبر، وتحفة الله الذي وهب لها إزميل الطبيعة، وتأنى في اجتلائها آلاف القرون، ليسكن الجمال باطن لبنان، ما سكن ظاهره، وقد نطق هذا السحر بنفسه، فأعفى الفنان الأعظم، أن يقول له: “تكلّم”!
شوقي حماده
(عضو المجمع اللغوي)
جريدة النهار

Leave a Comment