بين أثينا وأورشليم


عن ملحق " النهار " العدد 705 -الأحد11 أيلول 2005
في نيسان وأيار من عام 1997 التقي عقل العويط الأب ميشال الحايك (1928-2005)، وهنا بعض المقتطفات التي لفتت نظري لاهميتها:

"هذا الالتباس كله كيف تقرأه، وأين تجد نفسكَ فيه؟
– أنا بين أثينا وأورشليم.

كيف؟
– في اختصار، أثينا حاولت أن تنظم التاريخ وأن تجد له معنى تحت إشراف الفكر كمرجع أولي وأخروي. أي أنها تنظّم الكون عقلياً ومنطقياً. إنها أثينا. ومنها خرج الغرب القائم في النتيجة على هذا الشعار، والسائر في هذا التوجيه، والذي يحاول الكمال والاكتمال في هذا المسلك. أما القدس فتنظّم الكون من دون نكران المنطق. ثمة، وراء المنطق حال، قوة، طاقة. إنها حال الحب. والقلب. أثينا هي التنظيم العقلي، وأورشليم هي الحب. يُصنع التاريخ عقلياً او حبياً. لا نستطيع أن نفصل بين العقل والحب. اقول بوجود هذا التوجيه المسيِّر حركة الحضارات والديانات من هذه الجهة وتلك. مجاله الكوني الجغرافي هو حوض البحر المتوسط، رحم الحضارات. وشعوري أن هذا الحوض هو رحم المدنيات السائدة او معظمها مع أن هناك العالم الآخر، الصين والهند. لكنها مدنيات متعهدة أي ملتزمة، وهذا هو الفارق.

لكن أين مسؤولية الغرب، أراك تغفلها؟
– لا، لكن لا يمكن دوما ان نطالب الآخرين بحق لنا عليهم، كأنهم ولدوا لخدمتنا. الغرب له مشكلاته الخاصة وهو يعارك مع التاريخ المقبل بكل ويلاته ورعبه. يقاوم تلوث الماء والجو والهواء. يقاوم الفقر المهدد والشيخوخة يقاوم الموت المستحكم المهدد، وتنصبّ كل جهوده علميا على اقامة مجتمع يتمكن فيه الناس من ان يعيشوا في مساواة وحرية وعدالة. ان تعطى المرأة حريتها، ان تعطى الطبقة الفقيرة حقها في المعرفة والاستشفاء والكرامة، خلق نظام اجتماعي يمكن الانسان ان يعيش فيه كانسان. لكن جهاد الغرب واقع بين خطرين أو هوّتين: خطر – هوة الفناء الذي يعيه في صورة راعبة، والمعنى الذي يستطيع الاستقرار على شكل فيه. كان مسيحيا وأعمل الشك في مسيحيته حتى النكران. كان وطنيا في انجازاته فأدرك انه قارّي اكثر منه فرنسيا وقوميا. وخطر – هوة المدى الهائل الذي يشعر انه مرميّ فيه ولا حدّ له، وضائع فيه. الغرب اذاً مهدد بشعوره انه مقيم بين هذين الفناء والمدى، وأن الارض غير ثابتة وهي في حال طوفان ودوران. انه الدوار، هذا الغرب الذي يبين للشرقيين السياح، في حال من السعادة بسبب انجازاته، هذا الغرب اوروبا يبدو لي اليوم في اعماق نفسه قلقا متأرقا وفي الاحباط العميق. شيء من الجزع العميق في داخل النفوس لأنه يدرك بطلان عمله وفنائية هذا العمل ومحدوديته. المسؤولية التي يشعر بها الانسان الغربي مخيفة وتؤدي الى احباط عظيم. عندما ينظر الشرق اليه، يراه كأنه مستعمر ويحفظ من علاقته مع الغرب بعض فصول مؤلمة وعابرة. في هذا الجو، الشرق والغرب مرتبطان معا كأنهما أخوان سياميان.

في رأيك، هل من دور للبنان في هذا الارتباط "السيامي" بين الشرق والغرب؟
– لبنان هو المحل الذي يتلاقى فيه التاريخ الحضاري، أكان في اوج انجازه أم في خطر الهلاك. هو البلد الذي التقى فيه الطريقان: انه نقطة البيكار. وهو يعي ذلك اكثر من اي بلد في الشرق والغرب. على الساحل اللبناني، وانطلاقا من المدن اللبنانية القديمة في اعرق تاريخها، كان هذا اللقاء يتم عمليا او يرافق الذهن. بيروت، صيدا، صور، طرابلس، جبيل ونهر الكلب، الانهر التي على مقربة من المدن، والآلهة، التي هي آلهة تموت وتقوم، مرتبطة بالانهر ودورات الطبيعة. كل هذا هو وجه الشرق، من بلاد ما بين النهرين وايران الى الشرق المطل على الغرب المتوسطي. اللبنانيون وعوا هذا الواقع التاريخي والحضاري اكثر من غيرهم، لأن العلاقة بين الشرق والغرب استمرت بالمسيحية. المسلمون وعوا هذا الوضع عمليا في زمن حضارتهم العباسية اكثر ما وعوه. لم يكن من السهل ابقاء هذا الشعور حيا ومرغوبا به ومرجواً بسبب ما تعاقب منذ الفتح على هذا الحوض الذي هو رحم المدنية. لكن لبنان بقي مصرا على هذا الشكل من الحضور والوجود في التاريخ. قلت ان ذلك بسبب ارتباطه بالمسيحية، لكن ايضا بسبب ما تجمّع في لبنان من ديانات ثقافية (طائفية، مذهبية، قومية) متعددة، ذابت وتلاشت عميقا من حيث الوجود السياسي الفاعل في مختلف بلدان الشرق ووجدت ذاتها في لبنان، حيث اوسع لها النظام اللبناني مكانا وكرامة وحرية ومساواة. فلا عجب ان تكون وقعت على لبنان مسؤولية الانفتاح على الآخرين شرقا وغربا. مع الشعور بأنه لن تكون له هوية صادقة الا بهذا الانفتاح، والا فقد بطل من حيث هو مشروع لم يصنع نفسه بل اتخذ ما اورثه له التاريخ او صنعته له العناية. هذا فرادته من ناحية الوجود في التاريخ (ما عدا الفرادات الاخرى على مستوى الآثار والانجازات الابجدية والاختبار الاجتماعي)، وهي كفيلة أن تجعله مميزا. باطلةٌ محاولة الغاء هذه الفرادات المتنوعة، وهي تحمّل لبنان مسؤولية لا بد من الاعتراف بها اولا، ولا بد من تحقيقها ثانيا. ومن الدعوة اليها يكشف لبنان ذاته ويكشف للشرق والغرب ذاتهما او بعض النواحي المؤسسة لذاتهما. هنا، اسطورة اوروبا (الغرب) وقدموس (الشرق) تصبح اكثر من اسطورة. تصبح هي الواقع التاريخي اللبناني. لا يمكن التهرب من هذا التاريخ الا بإبادة الذات. الجبل لن ينزاح ولا البحر سينزاح. تغيير هذا المشروع يعني القضاء على لبنان كوجود حضاري لا يمكن الاستغناء عنه بأي مشروع آخر، لأنه ليس كل يوم يمكن تجميع تاريخ او آثار تاريخ وحياة تاريخ من الماضي الى الحاضر الراهن.

Leave a Comment