القرية اللبنانية – الجزء الأول

Ashkout98

عشقوت 1998 – قرية من لبنان – للرسام اللبناني دافيد كوراني

نحن الذين رأينا النور في القرية اللبنانية ، نحنّ أبدا ً الى مرابع الطفولة . فإن لها في أعماق نفوسنا ذكريات حلوة : العين ودرب العين ، الكروم ودرب الكروم ، العودة ومراح العودة ، القلع ومنابت الشيح والوزال ، العلّية والسطيحة المسوّرة بتنكات عتيقة صدئة ، فيها الحبق ، والقرنفل ، والفل ، وتفاحة فيها عناقيد من التفاح ، والسهرات البريئة تحت العريشة . وأنّى ذهبنا ، وأنى نزلنا ، فإن صوَر القرية تظلّ عالقة في مؤخرة الدماغ . وليس أشهى عندنا من أن نعود الى القرية ، فندخل العليّة العتمة الدخنة ، التي ولدنا فيها ، وأن نمشي الساحة التي لعبنا فيها ، وأن نمرّ في الأزقة والمعابر التي اختبأنا فيها .

ولكن حضارة القرية اللبنانية ، قرية طفولتنا في طريق الزوال . فقد غزت الحضارة الغربية أكثر القرى اللبنانية حتى النائية منها . وقد غزتها بعنف وقوة حتى ان صغار القرية ، أصبحوا لا يعرفون قرية آبائهم . فالبيت قد تغيّر : أثاثه وأدواته ، والدكان في الساحة قد زال ، وقام مكانه مخزن حديث ، والعرس لم يعد ذلك العرس ، والمأتم لم يعد ذلك المأتم ، والفرن ، والتنور ، والصاج في طريق الزوال ، فإن في قرى كثيرة فرنا ً عصريا ً ، حديث البناء ، يموّن القرية بالخبز الطازج يوميا ً، والعين ، العين حيث كان الناس يلتقون للحديث ، وللشكوى ، وللعتاب ، وللخصام قد هجرت ، فإن إدارة إسالة الماء في قرى عديدة ، تجهّز البيوت من نبع بعيد يصبّ في مطبخ البيت القروي .

ولكن في لبنان قرى لا تزال تحتفظ بطابعها القديم . فإن معايشها ، ومكاسبها ، وبيوتها ، وعاداتها ، وأعراسها ، ومآتمها ، وأعيادها ، وسجايا أهلها ، لم تتغير ، ولم تتبدل كليا ً. والى جانب هذه القرى ، قرى أخرى تبدلت معالمها ، لقربها من المدن ، أو الساحل ، أو لوقوعها على طرق التجارة أو السياحة ، ولكنها لا تزال أيضا ً تحتفظ هنا وهناك بالطابع القروي اللبناني القديم . فإن ضيعة بحمدون ، رغم مجاورتها لمحطة بحمدون (واسمها القديم تلتيتة) التي بعدت عن حياة القرية اللبنانية ، لا تزال ضيعة لبنانية في عاداتها ، وأعيادها ، ومواسمها ، وفي مأكلها ، ومشربها ، وملبسها . ولكن السؤال الذي يتبادر الى الأذهان هو : الى متى ستظل القرية اللبنانية محتفظة بطابعها الخاص ؟
AnisFreiha
المرجع : هذه السلسلة مقتبسة من كتاب ” القرية اللبنانية : حضارة في طريق الزوال ” ، تأليف الدكتور أنيس فريحة ، الناشر جرّوس برس ، طرابلس-لبنان

المؤلف أنيس فريحة ، هو دكتور في علم الفلسفة واللغات السامية ، ولد في قرية نائية ، احتفظت بالطابع اللبناني القديم – رأس المتن – جبل لبنان . ونشأ في بيت فلاح عتيق ، وعاش في القرية الى ان شبّ ، وقام بأعمال يقومون بها في القرية ، ولعب العابها ، وعيّد أعيادها ، وسهر سهراتها أمام الموقد وعلى السطيحة ، فأصبح ما خبره وسمعه وشعر به جزءا ً من حياته الروحية والعقلية .

يتبع : الجزء الثاني : تعريف القرية اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *