الفن الشعبي اللبناني

Folk1

الفن الشعبي أو “الفولكلور” فن أصيل ، لأنه يدل على نقطة الالتقاء في ذوق شعب ، ويندر ان يلتقي شعب على خطأ في الشؤون الانسانية ، ولأنه يحمل شهادة الوقت ، وهي أعلى شهادة .

وما يلتقي عليه شعب ولزمن طويل قد يلتقي عليه كل شعب ، لأن التوق الانساني واحد. وهذا ما يكسب جمال الفن الشعبي صفة كلاسيكية تجعله من الاسس الضرورية لبناء الفنون الرفيعة .

وبنسبة ما يعلو الشعب في السلم الانساني تزيد تلك الصفة بروزاً ، وذلك ما يضفي على الفلكلور اللبناني قيمة عالمية .

والفولكلور غير التاريخ . .
وهو أيضاً غير التقاليد .
وانما هو ما ينتجه شعب بقصد انتاج الجمال او بقصد تكثيفه .
لذلك يخطىء من يجمع اشياء طريفة عن تاريخ شعب من الشعوب او عن تقاليده ويضعها تحت اسم الفن الشعبي “فولكلور” .

FolkLibanais

فالشعب كالافراد وكالطبيعة ، بعض عملها للجمال وبعضه لغير الجمال. فالذي يحرث غير الذي يصور. والهدف من جذع الشجرة غير الهدف من زهرتها .
وكذلك الشعوب تكون فنانة في بعض نشاطها وفي بعضه تكون غير فنانة .
لهذا كان التمييز بين ما عمله شعب من الشعوب للجمال وما عمله لغير الجمال انصافاً ضرورياً ، عند استقصاء الحقيقة عن فولكلور ذلك الشعب .

ونحن عندما ندرس الفولكلور اللبناني ، سواء أكان الاغاني والالحان ، أم الحركة والايقاع ، أم القصص والشعر والبناء والزخرفة ، أم اللبس والتبرج ، يجب ان نميز بين ما أراده الشعب عبر تاريخه جمالاً وبين ما أوجده لحاجات معيشته أو انسجاماً مع بيئته ، فلا ندخل مثلاً في باب الابداع الجمالي المقصود ما اضطر اليه العامل لدفع حرارة الشمس عن جبينه ، أو ما استنسبته الحطّابة القروية لرد الشوك عن ارجلها ، او ما ألفه الشعب في المناسبات المختلفة بقوة الاستمرار من عادات هي بنت الحاجة والظروف والفطرة ، كالزغردة والندب .

وبذلك ننصف الذوق اللبناني الرفيع والسليم ، ونترك للمؤرخين ولهواة التقاليد ان يكملوا الصورة الواقعية عن تاريخ لبنان .

والفولكلور ثروة وطنية وانسانية من الخير ومن الحكمة ومن الكرامة استثمارها. فهي ترفع مستوى الانتاج الفني لأنها فوق مستوى الخلق عند الفرد ، وتقوي الاعتزاز القومي الايجابي الذي يلتقي مع كل اعتزاز مماثل ، وتبعد عن الفنون الجديدة للأمة خطر فقدان الشخصية .

وطريقنا الصحيحة هي الطريق التي بدأنا نسلكها. ذلك أن نجمع الفن الشعبي من مصادره جمعاً علمياً . (وجمعه ضروري قبل أن يزول الجيل الذي يعرف أكثره وقبل أن تطغى عليه أو أن تحل محله فنون شعبية اخرى أو غير شعبية، في عصرنا الذي هو عصر اتصال سريع وتبادل) .
ثم نؤلف مما جمعناه على اساس العلم الغربي والتطور الانساني .

وفي مثل هذا الانتاج ، المركب من مادة لبنانية هي الجمال الخام ، وشكل عالمي هي طريقة الاخراج ، فائدة للبنان وفائدة للعالم .

فاللبناني يجده جذاباً لأنه يحمل شيئاً من صميم ما يحبه ، ويجد تذوقه سهلاً لأن من مفاتيح تذوقه ما قد اعتاده من قبل . . وحين يتعلم بفضل تلك المادة المألوفة عنده تذوق الشكل يصبح باستطاعته ان يتذوق كل مادة تتخذ الشكل نفسه او ما يشبهه ، فيتعرف الى خلاصة جمال العالم والى أعلى فنونه .
وغير اللبناني يصبح باستطاعته ، بفضل الشكل الذي تعوده عنده ، أن يتعرف الى المادة التي هي من لبنان ، فيصبح فن لبنان عالمياً وفنون العالم من فنون لبنان .

وهكذا يكون الالتقاء ، ذلك الالتقاء الذي هو اسمى تقارب ، لأنه على قمة الجمال ، والذي هو أمل الانسانية الوحيدة بالوحدة ، لأنه على الصعيد الجذاب . . .

رشدي المعلوف 1959

Leave a Comment