التأثير المتبادل بين وسائل الإعلام والعائلة

نقلاً عن “منبر -النهار”
المعلومُ ان لكل عصر قواعدَ قانونيةً وسياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً وأخلاقية… تشكّلُ الأسسَ التي يُبنى عليها هذا المجتمعُ، فإذا تخلخلتْ إحدى هذه الأسسِ فإنّ المجتمعَ بأسرِه يتداعى وينهارُ ولو توافرتْ له كلّ الأسس الأخرى. المقصود بالمجتمع هو ذلك المحصور ضمن البلد الواحد، أما اليوم فنحن نعلمُ انَّ البشريةَ تعيشُ عصرَ العولمةِ، أي المجتمعِ المدنيِّ العالمي، الذي يُشكلُ عصرَها الرابعَ (بعد العصور الحجري والزراعي والصناعي)، واذا كنا سنَحْصرُ مقالنا فقط في الاطارِ الاجتماعي والاخلاقي للعولمة، الا انه لا بدّ من الاشارةِ الى أن تأثيرَ وسائلِ الاعلامِ على العائلةِ لا يُشكل سِوى نسبةٍ ضئيلةٍ من كل الاعتداءاتِ والجرائم التي حملتها الثورةُ التقنيةُ، لكن نتائجَهُ السلبيةُ على المجتمعِ تفوقُ كل تلك الاخطار لأنها تقضمُ عمودَهُ الفقريُّ، اي العائلة، وهي التي يعهد اليها هذا المجتمع في الحفاظَ على هويتهِ وضبطِ سلوكيات أفرادِهْ.
إن من يؤمّن حماية المجتمع هو قانون العقوبات، فأحيانا لا يردع المجرم سوى عقوبة جزائية، وبما أننا نتكلم على قرية كونية فهل هناك “قانون عقوبات كوني” يحمي هذه الأسس؟ المؤسف حتى اليوم ان لا وجود لقوانين علاجية او حتى وقائيةْ. لذلك، سنحصرُ بحثنا في درس هذه الاعتداءاتِ من خلال العلم الجنائي La criminologie الذي يدرسُ المجرم والضحية وهذه الاعتداءاتِ كسلوكٍ انساني موجود، وتمثّل الوقايةُ منها احدى غاياته المهمة.
مع ثورة الاتصالاتِ وانتشارِ الفضائيات، تعددت وسائل الإعلام وانتشرت فلا يكاد يوجد بيتٌ إلا فيه عددُ منها، وهي ذاتُ تقنية عاليةٍ لنقلِ الثقافةِ، فأصبح من الضروري حيازةَ بعضها وهي متعددةٌ (1) استجابةً لمتطلباتٍ وشروطٍ تتعلق بالتعليمِ والعملِ والابحاث والتعرف على ما يدور في العالم من أحداث ووقائع، تزود العلم والمعرفةِ ومتابعةُ التطوراتِ العالمية وتنميةُ التفكيرِ واتساعُ المداركِ… وهذا ما يشكل الوجَه الايجابيَّ للعولمةْ.
الا أنّ هذه الثورة الاعلامية جلبت في أهدابها الكثير من المساوئ (بل المصائب)، فلم تعتبر لبناء العائلة بقدر ما هي لتخريبها، فأحدثت تغييراتٍ سلبيةٍ على نسيج الأسرة مما أفقدَ الأخيرةَ قدراً كبيراً من تماسكها ووحدتها، وعرّضها للكثير من التّحديّات التي تواجه القيم العائلية والمجتمعَ بأسرهْ.
الفقرة الأولى: تأثير وسائل الإعلام
على العائلة
أولا: ما هي وسائِلُ الاعلام؟ ومن هم المسؤولون عن الاعلام؟
صحيحٌ ان الاعلام اليومْ لم يعد قلماً وورقةً ومطبعةً يدويةً فحسبْ، بل أصبح تكنولوجيا واقماراً اصطناعية وشبكة عنكبوتية. انما هل وسائلَ الاعلامِ اليوم تقومُ بوظيفةِ الاعلام؟ لا اعتقد!
انّ أقوى أسلحةِ عولمةِ الاقتصاد اليوم، هي عولمةُ الإعلام، ولا سيما منه الاعلاناتِ التجاريةِ الخادعةِ La publicité mensongère غدا الاعلامُ جزءاً من الاعلان بعدما كان الثاني جزءاً من الأول. أي غدا الاعلامُ صناعةً وفي الواقع ان الاعلامَ La communication هو علمُ التخاطبِ والتواصلِ بين البشرِ على مختلف انتمائهم وهدفُهُ مشاركةُ الآخرين في المعلوماتِ والأفكارِ والعقائدِ، التعليمِ والترفيه.
النزعة الاستهلاكيةُ: شكلت الثروةُ وقوةُ تحصيلها أيديولوجيا جديدةً قائمةً في ذاتها، لا تعيرُ اهتماماً لمختلف المعاييرِ والقيم الأخلاقيةِ، وضعت العلمَ والتكنولوجيا في خدمة البحث عن الثروةِ، مصالح تجارية ونزعة السيطرة، وتطوير وسائل تحصيلها، إلهاء الشعوب بالدعاية لاستهلاك سلع كمالية، تنمية النزاعات الاستهلاكية… فالسلعة الإعلامية مجانية، ذهنية تصل إلى عقل المشاهد والمستمع والقارئ، فيغدو بدوره سلعة تبيعها وسائل الإعلام للشركات العالمية التي تشكل العمود الفقري للعولمة… فمن العصرِ الحجري الى العصر الرقمي، تغيّرت الأركانُ من غير أن تتغير غرائزُ القوى المهيمنة.
الفسادُ ودورهُ في تشويهِ دورِ الاعلام: يقوم الدورُ الحقيقيّ والجدّي للاعلامِ على تطويرِ الشعورِ العام الى رأيًّ عام وبذلك يتحولّ من الاعلام العلاجي الوقائي الى مفهوم الاعلام المربي والشرطي، يراقبُ وينبهُ، يفضَحُ ويردَعُ، فدورُه الا يكون فقط مرآةَ الرأيِ العام، بل قاطرتَهُ الى دروبِ المعرفةِ والحقيقَةِ. لكن المؤسف ان للفساد دورَه الفعّال الذي يعملُ على توظيفِ الاعلامِ لخدمةِ الاعلانِ وعلى توظيفِ الانسانِ لخدمة الاعلانْ.
لقد اصابت شظايا الرشوةِ كأكبر المشاكل العالمية، الأسسَ التي يرتكز عليها قيامُ العائلة، هناك تخريس للغة المبادئ أمام لغة الأرباح، ففي اعتقاد هؤلاء انهم يملكون مؤسساتهم الاعلامية وموظفيها وحتى مشاهديها. ومتى دخل المالُ عتبةً، غالبا ما تهتزّ القيمُ وتتغيرُ أنماطُ السلوكِ ويتغير الموقفُ (من حالةِ الاستهجانِ الى حالةِ القبولِ)، تُطرح أساليبٌ مختلفةٌ للنجاحِ، تُزال قيمُ التنشئةِ الاجتماعيةِ وتُثبّت أخرى، تُهمّشُ المسؤوليةُ، يُخنَقُ الصوتُ ويبقى الصدى… مما يتعارضُ والمعاييرِ الاجتماعيةِ ومتطلباتِ الحياة التي تسعى الأسرة الى جعل الأولاد يتكيفون مع مطالبها.
لا بدّ من التوقف عند الصفات الشخصية للمسؤولين عن الاعلام: إنّ أكثرَ ما تمتاز به هذه الشخصياتُ هي سماتُ “الشخصية السيكوباتية” Psychopatique أي الأنانيةُ المفرطةُ، عدم الاعتدادِ بكرامةِ الآخرين، فقدانُ الإحساس بالذنب، تسخير الآخرين لخدمة أغراضهم الذاتية والتلفيقُ والكذبُ والرياءُ والخداعُ وقدرةٌ ذاتيةٌ على التخطيطِ والتنفيذِ، التحررِ من الضوابطِ الاخلاقية وتحقيقُ الرغائبِ الغرائزيةْ.
كما لم يعد مرتكب الاعمالِ غير الاخلاقيةِ المجرمَ التقليديّ، بل ايضا ذوو النفوذ الاقتصادي والمالي والسياسي، انهم برابرةُ بحلل جديدة لا دينَ لها ولا قانون Sans foi ni loi أبدلت الأعمالَ العنفيةَ بالرشوةِ، الضربَ على جسدِ الانسانِ بضربِ مبادئه وقيمه، تدميرِ الحجرِ بتدمير البشر، هدمِ البيوت بهدم العقول، الاستعمار السياسي والاقتصادي بالاستعمار الحضاري والفكري.
أما عن التكوين الذهني، فاذا كانت مصائبُ المجتمعِ في القدَمِ تأتي من ضعاف العقل او ذوي الجهل والجنونِ والأميةِ والفقراءٍ، او ذوي القوةِ الجسديةِ، فان مصائبه اليوم تأتي من بعضِ وسائِلِه الاعلاميةِ التي تتميز بتفوق ذهني وبجنون الربح وبتفوق في الذكاءِ بل بكلمةِ أدقَّ تفوقٌ في المُكرِ اي درجةِ الذكاءِ المقترنةِ بمقدرةٍ لإفساد العلاقاتِ الانسانيةِ على اسس اخلاقيةٍ وقيمٍ اجتماعيةٍ.
لذلك، حرامٌ على عائلة القرن الحادي والعشرين ان تكون ضحيةَ أشخاصٍ كهؤلاء، فلهذهِ العائلةِ اليومَ الكثير من الوسائلِ لتنميةِ قدراتها الفكرية ولحماية أفرادِها من الوقوعِ فريسة أشخاصٍ كهؤلاء.
المؤسِفُ أنه بدل أن يهذّب التقدمُ التكنولوجي ذهنَ الفردِ، ويصقله ويصده عن الاعمال غيرِ الاخلاقية، نرى، العكسَ، عند الغالبية يحضّ عليه، بمعنى آخرَ لم تُرافق الثورة التكنولوجية ثورةٌ أخلاقيةْ.
أما بالنسبة الى الضحايا، فلم تعد الضحيةُ شخصاً منفرداً بل ضحايا متعددة النوع والعدد: الانسان وحقوقه الانسانية، الأخلاق العامة ومعاييرها، العائلات ووحدتها، الحضارات وقيمها، الثقافة ومكوناتها… مما يجعل الانسانيةَ تتعرض أكثرَ من أي وقت آخر كأفرادٍ وكمجموعاتٍ بشريةٍ لاعتداءات خطيرة في مداها ومجالاتها.
1 – الآثار النفسية والاجتماعية على الاطفال:
– الاستثارة العاطفية: تتعمدُ وسائلُ الإعلامِ استثارةَ مشاعرَ السخطِ والتمرّدِ والكراهيةِ والولاء من خلال تركيزها على مشاهدَ العنفِ وإثارةِ الغرائزْ. ويؤكد العديدُ من الدراسات ان هناك ارتباطاً ايجابياً وقوياً بين مشاهدَةِ البرامجِ التلفزيونيةِ العنيفةِ والسلوكِ العدواني للطفل، ولا سيما: أبطال أفلام العنف، الأكشن، المصارعة الحرة، الالعاب الرياضية الخطيرة، والفيديو كليب والرسوم المتحركة اللذين يتميزان بالاتقان الفني والاخراج وتجذب الكبار قبل الصغار… بالطبع مع أخذ التركيب البيولوجي لشخصيته ولطريقة التربية التي يتبعها الآباء في الاعتبار. لذلك نجد هذا الطفل يميلُ الى تقمّصِ شخصياتِ هذه الأفلامِ وقبولِ العنفِ وسيلةٍ لمواجهةِ بعض المواقفِ والى ان يصبح عنيفاً وسريع الغضب وعدوانيا. لقد اشارت الاحصاءات الى أن معدل ارتكاب جرائم القتل يزداد – عادة – بعد مشاهدة مباراة عنيفة في الملاكمة، وهناك الكثير من النماذج المختلفة لأطفال قاموا بتقليد أعمى لما شاهدوه في التلفزيون ومنهم في لبنان. فضلاً عن اعمال الإرهاب والتفجيرات ورؤية الأيدي والأرجل المبتورة في الشارع أو في الفضائيات.
– حرمانُ الطفلِ اللعبَ الذي يعتبر ضروريا للنمو الجسمي والنفسي.
– حرمانُهُ المطالعةَ والحوارَ اللذين يعتبران ضروريين للنمو الفكري والعقلي.
– حرمانه التجربةَ الحياتيةَ التي تتطور من خلال قدراته اذا انشغل بمتابعة التلفاز.
– تعطيلُ مخيلتِهِ لأنه يستسلم للمناظرِ والأفكارِ التي تقدمُ اليه من غير ان يشاركَ فيها فيغيبُ حسّه النقديّ وقدراتُه على التفكيرْ.
– تفريغُهُ من قدراتِه الهائلةِ على الحفظ بإلهائه بحفظ الأغاني والاعلانات و الـ Video Clips.
– منافسةُ التلفزيون للأهلِ في تشكيلِ سلوكِ الأبناءِ وتلقينهم المعرفةَ والقيمَ – الصالحَ منها والطالح.
اضف انه إذا نادى كل العلماء الجزائيين بتحسينِ أوضاعِ العائلة المعيشية والتربوية والصحية والاجتماعية، لتأثيرها على سلوكِ الفردِ؛ اليوم وقد تحسّنت بعض الشيء، هل ردعت المراهقينَ عن الانحراف؟ العكس تماماً، ففي أيامنا، لم يعد يقتصر انشغالُ البالِ على الحدثِ المتسولِ والمشرّدِ من ان تلتقطه ايدي الشرِ، بل ايضاً على ابنِ العائلةِ الثريةِ، المجهّزةِ غرفتُهُ بأحدثِ التقنياتِ من ان تلتقطه الصحونُ الفضائية.
بل ان الاحصاءات الحديثة تظهرُ أن بعض العائلاتِ اصبحت اشدّ شعوراً بالقلق وأقلّ إحساسا بالأمان مما في الماضي، بحيث لم تعد بعضُ العائلاتِ تخشى مرضاً عضالا يصيبها بجسدها أو بأحد ذويها أو حادث سيارة يودي بحياتها بقدر ما تهاب مضار هذه الوسائل الاعلامية.
2 – الآثار النفسية والاجتماعية على الشباب:
أَظهرَ الكثير من الدراسات المهتمّة بقياسِ هذه الآثار ولا سيما لمستخدمي الـfacebook لعدد كبير من الآثار السلبية والتي تنعكسُ على سلوك المراهقين والشباب أهمها:
– تشكلُ شبكة الانترنت فرصا ممتازة لبيع المخدرات والحبوب غير المرخصة، لتشجيع تدخين السجائر وتعاطي المخدرات وإظهارِها على أنها جذابة ومريحة وغير ضارة بالصحة وغير قاتلة، وكأنها من دونِ أضرارْ.
فادمانُ المخدرات عنصرٌ هدّام وأكبرُ مآسي عصرنا، فهو يهدم النفسَ والجسدَ معا، ويخدر العاطفةَ والعقلَ، فتغدو الحياة لا طعمَ لها ولا لون (فهل الطفل الذي يدخن سيعود الى التركيز على طاولة مدرسته؟ وهل ان الشاب الذي يتعاطى المخدرات سيستطيع ان يبني عائلة صالحة في المستقبل، وسيكتفي بمرتب بسيط ام سيسرق حتى اهله لتمويل تعاطيه؟). الأثر نفسه لإدمان الانترنت، فهو يسبب لمستخدميه السمنة والخمول والتبلد وعدم الاحساسِ بالخطرِ. فمن يدمن استخدامها كمن يعبر جسراً من عالم الواقع الى عالم الفضائيات والخيال ويحرق من خلفه جسر الواقع، عندها يتعذّر عليه التمييزَ بين الوهم والحقيقة، وينتقل من الانسان الشجاع والمنفتح الى الانسان المتهرّب والمتحجّر.
– الانفصال العاطفي للعائلة: صحيح ان التلفزيون يجمعُ العائلةَ فيزيائيا لكنه يفرقها عاطفياً، وصحيح ان الاهل يجهدون ليؤمّنوا انترنت للعائلة في المنزل الا انها (الانترنت) تتسبب بعزلةٍ عائلية (كوضع الطفل سماعات الرأس حتى في السيارة ليستمر في خصوصيته وان يكن مع أهله. كما لا نستغرب ان تبقى فتاة طوال ايام متتالية لا تأكل مع اهلها بل تأتي الخادمة بالطعام اليها في غرفتها) هكذا يتحول أفراد العائلة من اناس عاطفيين الى اشخاص مولعين بالأزرار والأرقامْ.
– ضعفُ التفاعل الاجتماعي وتضاؤلُ المشاركة في النشاطات الاجتماعية وخشيةُ التعاملِ مع الآخرين، الشعور بالغربة في خضم الملايين، الحرمانُ من فرحةِ الاستمتاعِ بالحياة، كأنهم في عداد المتفرجين على فرحها بأسى من وراء سياجٍ لا قدرة لهم على اجتيازه، وهذا ما يُدعى الضرر السيكولوجي من خلال الشعور بالوحدة والملل، الاكتئاب والقلق والفراغ، وصولا الى بعض الأمراض النفسية التي تنعكس على الصحة والتي تستمر – أحياناً – مع العمر.
– قلّةُ الاهتمام بالمشاركة السياسية، فالشباب ثروة الوطن وأمل المجتمع، عليهم ان يتلقوا تربيةً وطنية وانسانية تخوّلهم الاندماج في المجتمع والاطلاعَ على قضاياه ومشاكله.
– السلوكياتُ غير المهذبةِ والخروجُ عن طاعة الوالدين، خصوصاً ان العديد من الشباب مستقلون بمصروفهم الشخصيّ،
– ايقادُ الدوافعِ الجنسيةِ قبل النضج الطبيعي مما ينتج اضرارا عقليةً ونفسية وجسدية، كما تؤدي مشاهدة الأفلام الجنسية العنيفة إلى زيادة السلوك العدواني نحو المرأةْ.
– وضعُ شبّان العصر أمام تناقضات عقيمة: الهويةُ الحضاريةُ والحياة المعاصرة. التكنولوجيا والأيديولوجيا، حوارُ الثقافات وصراعُ الحضارات، صناعةُ الحضارة الغربية وروحانيةُ الحضارة الشرقية، الأصالة والمعاصرة، مبادئ الماضي وقيمُهُ وما قذفه شاطئ الغرب، مما يمثل مشكلة حضارية ويثير مدى حتميةِ صِدامِ الحضاراتِ في المستقبلْ.
– تغييرُ انماط الحياة، الافراطُ في السهر، إبدالُ صفوة العلماء والمفكرين بالفنانين والنجوم، أبدال أنبياء الروحانية بأنبياء شؤم في وادي الدموع، والآلهة السماوية بآلهة زائفة بالكماليات والبرقع وأصنام العصر. فوسائلُ الاعلامِ تزاحم الاهلَ في التربيةِ والأديانَ في الارشادِ والمدرسةَ في التعليمِ وتشجّع على الاختلافات في الأفكار والسلوكيات بدل ان تشكل بيئةً ثقافيّة موحدة، فهي تبث ثقافةً عصريةً تمسّ بالمعاييرَ والمبادئ الأخلاقية محدثة ارتجاجا في ذهنية الناس، وزعزعة الأمن الاجتماعي وانتهاكا للحقوق الفردية العامة. لقد اكتسبت ثقافة اليوم حلة جديدة، هي ثقافة برامج الكومبيوتر، ثقافة تغيير البنية الاجتماعية، ثقافة التسلية الوقتية الهشة، والاحاديث الإلكترونية مكان المنتديات العلمية… ثقافة “تلفزيونية” وجيلاً “تلفزيونياً”، هي ثقافة غير مكتوبة قِيَمها مبثوثة فضائيا، فغدت هذه الثقافةُ صناعةً من أهم صناعات هذا العصر بلا منازع…
– استعمال الانترنت لارتكاب الكثير من الجرائم الأخرى الماسة بالآداب العامة كالإعداد للاتجار بالرقيق الأبيض والتحرش وتحريض القاصرين على القتل والانتحارِ والاعمالِ غير المشروعة وبث المعلومات المضللة وتوزيعِ المنتجات الاباحية (الصناعة الترفيهية للكبار…)
– التشجيع على الزواج الافتراضي: نتكلم اليوم على الزواج الافتراضي (وقد عقد في مكان ما في العالم وربما تسرب الى لبنان مثل الزواج المدني). فأي عائلة سيُثمر هذا الزواج الذي اتممته الشبكة العنكبوتية بعيداً من قدسية أسرارِ الكنيسةْ؟
ثالثاً: الصعوبات القانونية التي تحول دون هذه:
– طبيعة هذه الاعتداءات لكونها عابرة للحدود الوطنية (ان اكثر ما استجد في العالم القانوني هو ما بات يعرف بـ Cyber –Crime وبالتبعية المجرم المعلوماتي وضحايا المعلوماتية.
– السرية والغموض.
– عدمُ وجودِ اتفاقاتٍ دوليةٍ او تعاونٍ جزائي دولي باستثناء الاتفاق الأوروبي لعام 2001، كما ان أكثر مؤسسات الوسائل الاعلامية تملكها شركات متعددة الجنسية ولغاية اليوم لا وجود لقانونٍ يحاسب هذه الشركات، هناك فقط قواعد مناقبية ذات قيمة معنوية وأدبية.
– بشكل خاص هناك تقصيرٌ عربي ولبناني واضح في مجال مكافحة هذه الاعتداءات سواء من حيث أساليبُ التحقيقِ او في مجال التوعية خصوصاً ان الكثير من القوانين الجزائية في عدد كبير من الدول لم تتطرق بعد الى هذه الفئة من الجرائم (ولا سيما الركن المادي والاثبات الالكتروني).
– استحالة اقتفاءِ اثر عائدات الجرائم، تباعدُ النطاق الجغرافي بين الفاعل والضحية، طبيعةُ الاعتداءاتِ هنا وهي الكترونيةٌ وغير ماديةٍ وشبكاتٌ فضائيةٌ، مما يطرح مدى ضرورةِ وجودِ عدالةٍ عابرةٍ للحدود Justice Supranationale أو قاضٍ الكتروني… فلا وجودَ لقوانينَ دوليةٍ للمجتمع المدني العالمي، لا وجود لشرطةٍ دولية تعمل على فرض احترام الآداب العامة، او هيئةٍ تنفيذية دولية تسهر على تنفيذ القوانين، مما يتطلب ايجادِ الحلول للعنصر التقني الفضائي والعنصر المتعدد الجنسية،…
وما يثير الاستغرابَ في لبنان الاجتهادُ الآتي: لقد اوقف الانتربول بالتعاون مع السلطات اللبنانية شخصا لبنانياً كان يبثّ صورا اباحية لأطفال عبر الانترنت واحاله على قاضي التحقيق في بيروت سنداً الى المواد 531، 532 و533 من قانون العقوبات، الذي اعتبر هذا الفعل تعرضا خطيراً للآداب والأخلاق العامة. لكن اللافت ان محكمة الاستئناف فسخت هذا الحكم، اذ اعتبرت ان شرط العلنية غير متوافر للجمهور (م. 209 ق.ع.ل.) وهو أمر مستغرب بعض الشيء لأن شبكة الانترنت يتلقاها الملايين من الأفراد اكثر من التلفزيون او الصحف بكثير.
الفقرة الثانية: تأثير العائلة
على وسائل الاعلام
الأهلُ هم خطُّ الدفاعِ الأولِ أمام موجات التغيير الاجتماعي والتي تقوده اليوم وسائل الاعلام في العصر الحالي، ففي العلم الجنائي لطالما أكدت الابحاث والدراسات دورَ الضحيةِ في حدوثِ الجرائمِ بسبب سلوكها الشخصي وهنا سنطرح النقاط الآتية:
1 – الوعي: تؤكد لنا النظريات الاجتماعية النفسية أهميةَ الوعي والإدراك لأسباب مشكلةٍ معينة، مما يشكل الخطوة الأولى لمعالجتها والتصدي لها، فاذا كنا قد رأينا ووعينا الأسباب الكامنة وراء التأثيرِ السلبي للاعلام، امكننا التصدّي بفاعلية، فالحلولُ تأتي “بوضع الأصبع على الجرح” اي بمعالجة الأسبابِ وليس النتائجَ، خصوصا ان معالجةَ النتائج من دون الأسباب هي اطالةٌ للمشكلة وليست حلاً لها، والحديث عن الأخطاء لا يجدي، المجدي حقا ان يعلم الأهل كيف تكونت أخطاء ابنائهم اي كيف تملكتهم الوسائل الاعلامية.
وبتأمل في واقع تعامل العائلة مع اخطار هذا الإعلامِ يلحظ المتابع لهذا الواقع تقصيرَ دورَ العائلة في هذه المواجهة، وكلنا نرى الركض اللاهث للوالدين للتكسب وتحصيل الحاجات الاساسية والثانوية على حساب التربية السليمة والتحصين من موجات الإعلام السيئ. فالإعلام لم يدخل بيوتهم عُنوةً، هم من جلبوه الى منازلهم وألقوه في غرف اولادهم من دون رقابةِ او توجيهِ او توعيةِ. لذلك، فهم مسؤولون عما يطرأ على اولادهم من تغير غيرِ محمودٍ في الوعي أو المعرفة أو السلوك، ومسؤوليتُهم هذه قانونيةٌ وروحية سيسألان عنها يوم القيامة. بمعنى آخر، لا بدّ من اعادة التقويم الذاتي Self Evaluation.
– دور الأب
هناك آباء كثيرون متناسون ان لهم أدواراً أخرى تستحق الاهتمام، فعلى الأب ان يكون الحارس الأمني لعائلته لمواجهة الغزو الفضائي، ولا سيما حمايةَ القلوبِ والعقول الصغيرة، عليه أن يكون قدوةً حسنةً لهم، وان يشارك أولاده في الاختيار (لا ان يستأثر بالـ Remote Control).
عليه ان يتفاهمَ روحيا وعقليا مع زوجته على طريقة مواجهة هذا الاثر السيئ، ويقتنع بها على علاّتها”، لا ان يقارنها بالفنانات والعارضات وملكات الجمال مما يزهده بها (هناك الكثير من صرخات الزوجات بأن القنوات الفضائية سرقت الأزواج من زوجاتهم بل من بيوتهم وغيّرت تطلعاتهم).
– دور الأم:
يقدم الاعلام المرأة على انها نموذجَ المرأة المستهلكة، مشوّها صورتَها، أمومتَها ودورَها في مشاركةِ الخالقِ في اكثار نسله، كوسيلة لقضم العمود الفقري للعائلة. أما أشدّ ما يؤلم اليوم فهو ترك الأم تربية الاطفال للخادمة لتمضي الساعات أمام شاشة التلفزيون او الـ Chating, Facebook, Skype, e-mails، او إلهاءِ الأطفالِ بالتلفزيون وخصوصاً المسلسلات الاجنبية لعدم تمضية الوقت الكافي معهم. فباطلٌ من يظن ان الطفل يحتاج الى الملبسِ والمسكنِ والعلم والكماليات الحياتية بقدر ما يحتاج الى العطف والحب والحنان والمشورة والتوجيه. الطفل هو المادة الخام والأم هي من تصنعه (وأركّز على كلمة تصنعه). فالطمأنينة والاتزان هما اكثر حاجات الطفل وسينعكسان على صحته وعقله، فاذا كان للام الحقَّ في أن تموّه عن نفسها (وهذا حقها) فعليها ألا تخسرَ أكثرَ مما تربحْ. عليها ان ترفع وقت فراغها الى مستوى عال للتنمية الفكرية لا تنزل به الى منزلة التوافه والثرثرة الالكترونية.
فاذا كنا نجاهر بالمطالبة بالمساواة الحقيقية للمرأة حين تصبح الزوجة شريكة لا بنتَ عم والأم مرشدة لا جاريةً، والشقيقة اختاً لا خادمةً، في المقابل على المرأة ان تزرع في قلوبهم وقارَ الأم، احترامَ الزوجة ومحبةَ الأختْ. عليها ان تعلمهم انهم من منبت اصيل ومن مقلع جدود ساهموا في حضارة الكلمة وعزّة الانسان وعليهم ان يحافظوا على هذه الحضارة ويطوروها.
قد يبدو كل من دور الأم او الأب صعبا ومرهقا للوهلة الأولى، الا اننا حين نفكر في النتائج التي يسببها الاهمال لا تلبثُ ان تزولَ كلُّ المتاعبْ. فاذا كانت العائلة ركيزة المجتمع الأساسية، فإن وحدة العائلة هي من أهم القيم الانسانية والاجتماعية.
2 – مسؤولية الأهل في التواصل والاصغاء: الاصغاء الحقيقي هو المشاركة الوجدانية، اصغاءٌ الى المعنى لا الى الكلمات، اصغاءٌ في القلب أكثر منه في العقلْ، ومن يحسن الاصغاءَ يحسنُ الكلامْ، ويعني ذلك ان يواكبوا أولادهم بكل انتباه ليقفوا على حقيقة ما هم عليه. عليهم أن يعلموا ان حاجة ولدهم تتعدى المأكل والملبس (هذه حاجاته الجسدية) لكن لديه حاجاتٍ ذهنيةً نفسيةً وروحيةً أخرى، فالانسان مزيج من جسد وعقل وروح وأي حرمانٍ من هذه الحاجات سيؤثر على الكيان بأكمله.
3 – التربية الاعلامية: وتعني فهمَ الأهل لطريقة استخدام الاعلام بصورة حكيمة وإيجابية لكي يساعدوا أطفالهم في تعاملهم مع وسائل الاعلام، طريقة تأثير اختياراتهم الاعلامية على وضوح الرؤية، التحليل والتساؤل والتحدي لمعنى الرسائل بأنفسهم، اي زرعُ الرقابةِ الداخلية والنقدُ البنّاء Constructive Criticism وليس النقدُ الهدّامْ. يحتاج الوالدان إلى وضع قيود وأن يتدخلا في ما يشاهد اولادهما، وان يدعما تنمية القدرة الابتكارية لأبنائهما والمرونةَ في التفكيرِ في مناخٍ غير قمعي يسمح بالحوار والشفافية والمصارحة بين الطفل ووالديه. الحوار هو الخبز اليومي للعائلة وبمثابة الدم للجسد وسرُّ ديمومة العائلة، أما سياسةُ المنع والرفض فلم تكن يوما مجدية.
عليهم جعلُ استخدام وسائل الاعلام نشاطا عائليا ومناقشةُ كل ما يراه الاطفال ويسمعونه ويقرأونه (لا سيما اذا لم يكن هناك اتفاق على اختيار البرامج بين الاهل والأولاد)، تعليمُ الطفل كيف يتعاملُ مع التجربة وتجاهل التصرفات العدوانية من خلال: تهيئة بيئة اجتماعية غير عدوانية، غرسِ الحب وتنمية مهارات التعاون، تجنب الممارسات والاتجاهات الخاطئة، مساعدتُهُ على تعلم تقويم المواقف الإحباطية، تعليمُ السلوك المناقض للعدوان وتعزيزه، إتاحةُ الفرصة للعب، وتنفيس الميول العدوانية وتعزيز احترام الذات.
فعندما تتولد لدى الطفل القدرةُ النقدية لما يقرأ أو يشاهد ويتعلم مهارات التربية الاعلامية فإنه سوف يفعل الشيء ذاته مع الصور أمامه وسوف يسأل ويفكر في الرسائل الاعلامية التي يشاهدها أو يقرأها أو يسمعها. بمعنى آخر سيحسن اختياراته الاعلامية ويتحكم باستخدامها، مما يقلل التأثير السيئ.
– وضع جدولٍ لأوقات بقاء الطفل أمام الشاشة (التلفزيون، أفلام الفيديو، وألعاب الكومبيوتر وخدمة الانترنت) توصي الأكاديمية الأميركية للطفولة بما لا يزيد عن ساعة أو ساعتين للبرامج التلفزيونية وألعاب الفيديو يوميا للأطفال الأكبر عمرا ومن دون وقت للشاشة للأطفال الأقل من سنتين.
– عدم وضع كل هذه الاجهزة في غرف النوم الخاصة بالطفل.
– الدعم العاطفي للأطفال ومساعدتهم على اختيار برامج وألعاب ملائمة لأعمارهم واهتماماتهم، وتمضية اكبر وقت ممكن معهم، واقفال التلفزيون خلال الواجبات لفتح مجال للحوار والتثقيف الروحي Spiritual Education.
– التحدث مع طبيب الطفل ولا سيما عن صدور ايّ سلوكٍ مقلقْ،
– التعبير عن مشاعرنا وآرائنا للمسؤولين عن الاعلام والذين يقودونه (ولو انني متأكدة من عدم مبالاتهم لهذه الرسائل)،
– دعم جهودِ التربيةِ الاعلاميةِ والمشاركةُ في كل ورش العمل WorkShop التي تعقد في هذا الخصوص للاطلاع على كل ما يستجد في عالم التقنية لمقدرة المراقبة والتوجيه. والمشاركة في ترشيد الأداء الاعلامي والمطالبة بقنوات تطرح كلّ هذه المشاكل لأن من غير الممكن اقفال نوافذِ الاعلامِ في عصر الفضاء الرمزي ولأن للإعلام دورا إيجابيا في الحفاظ على الثوابت الإيـجـابـيـة في منـظومة القيـم العائلية.
– تضافر جهودِ المؤسسات التربوية (2) لتكثيف الدراسات الجامعية والبحوث المسحية الميدانية للتعرف على مدى هذا التأثير على ثقافة الناشئة وسلوكها.
– وضعُ أسس منهجيةٍ ومعرفية وقانونية للحد من انتشار هذه المواقع. فلا شك أن القوانين المرعية الاجراء لمواجهة تأثيرات الوسيلة الإعلامية على الأسرة والمجتمع تحتاج الى رؤيةٍ ناقدةٍ من أهل الرأي والاختصاص لمراجعتها وتطويرها حتى تكون أكثرَ فاعلية في البناء النظري والقانوني، وأكثرَ قابليةً للتطبيق العملي لتحقق هذه الندوات أهدافها فلا بدّ من وضعها تحتَ المراقبة.
ان قضية مواجهة التأثير السلبي للاعلام على العائلة ومحاولةَ الحدِّ من تأثيرها على الأسرة والمجتمع أكبرُ من أن تُحصر في نداءات موسميةٍ، وتطرق طرقاً عارضاً عبر مقال من هنا او هنالك، لأن ما نجهله عن خطورة تأثير الاعلام على العائلة اكثر مما نعلمه، لكن ضآلةَ ما نعلم يكفي لوضع مقدار الخطر في صورته الحقيقية وليمثلّ هاجساً للمسؤولين عن، التربية، الأمن الوطني والأخلاق، لاستمرار محاولات معالجتها، بحسبانها قضية تربوية وأخلاقية سيكون لها الأثرُ البالغُ في حياةِ الأسرة والمجتمع غداً ومستقبلاً.

(•) محاضرة ألقيت في معرض الاعلام المسيحي في انطلياس بدعوة من “الاتحاد العالمي الكاثوليكي للصحافة”.
(1) منها المطبوعات، الكتب، الصحف والمجلات: الصور والاعلانات، اللافتات، الاذاعة، السينما CD, Cassettes, Cell Phone سيتم التركيز على التلفزيون والانترنت…
(2) بالطبع يشارك الأسرة العديد من المؤسسات التربوية كالمدارس والجامعات التي لا يقتصر دورها على الوظيفة التعليمية فحسب بل يشمل أيضاً تلمس مشكلات المجتمع الفكرية والأخلاقية.
بقلم الدكتورة جنان فايز الخوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *