أيها اللبناني ، من هو لبنان ؟

OrgFlag

أيها الكرام،

لبنان هذا ، عاش القساوة وهو في خلقه ليّـان.

عمّ التجهّم أيامه وما كان يوماً قطوباً.

مهما امتدّت شهرته تظل حقيقته أثبت.

لبنان هذا أحاط به جفاف ، وما أكثر طلاوته.

توالت عليه الأوصاب فتندب.

أطفأوا أضواءه فتفجرت في نفسه شموس.

عيّـنت معالمه ، وضاق ما بين عمده وجباله ، لكنه تمكن من أن يبني صرحاً غير عادي ، فإذا هو أدب لامع ، وفن مدهش ، وذوق رهيف ، وتطوّر عجيب ، يوم كان التخلف قاعدة.

أطلّ على وطنية ناهضة ، أسُها الجهد والمثابرة واعتماد النفس والعودة الى الطبيعة المعلم الأكبر.

جمع الفضيلة الى النبوغ ، فإذا في الفضيلة إغراء ، وإذا التهافت عل الخير دعوة.

خمسة وسبعون عاماً والقدوة خمسة آلاف ، ما كنت دامياً ولا متحجراً بل مجالاً إنسانياً معافى ونبوغاً مطمئناً.

أي حق لك وطني يعلن يوم يصنّـف أهل الحق على الزمان؟

المراحل العظيمة في التاريخ هي مراحل الجهاد والحرمان والمحن . وأزمنة الرخاء لا تذكر . والسياسة هي حقائق وجرأة ومصارحة وموقف ، لذلك فإنّ زمن الحبائل والمصانعة سيوأد . فمن حق الأجيال الطالعة أن تعيد النظر في غير مفهوم ومعرفة.

أكثر الذين تولّـوا لبنان أمانة لم يكونوا الجديرين بصون تلك الأمانة ، ولا بتسليمها الى الأجيال الآتية . التخصص في الوصول غير التخصص في الحكم ، لذلك فإن هيئة الحكم فيه انبثقت عن قصد أو مصادفة ، والمؤهل للحكم لا يفسح له مجال الوصول . ومن يصل ، فهو غير أهل لذلك ، حتى إن حكم النخبة هو خروج عن القاعدة.

لم يكن هناك حكمة في الحكم ، ولا محبة ولا طموح ولا رؤية ولا تخطيط ولا منطق ولا حتى حدس ، ولا بالطبع مثل عليا.

والمتفرجون عل الفساد من أهل الرعية وخارجها يضحكون في أعبابهم ولا يقدمون على إصلاح أو تصويب للذّة ما في نفوسهم أو ضعف.

أيها السادة،

لبنان ولد للبقاء ، ولد كالدعوة التي لا تنطفئ.

حمل أعباء العرب كلها . وهي أحمال ثقيلة.

عانى القهر الصهيوني وأسقط أسطورته.

وطني وجودك أبدي.

استمرارك سرمدي.

عودتك محتّمة

ديمومتك زمان

وشخصيتك متميزة

الضرورات التي أوجبت لبنان مرة ، توجب وجوده كل مرة.

لأنها دائماً موجودة.

لأنها دائماً ضرورة.

هذا هو الأمل الذي يتجلى لنا في مجاهل اليأس وهذه هي النعمة.

لبنان حاجة للمنطقة.

للحضارة.

للمظلومين.

للمضطهدين.

للطامحين.

للموهوبين.

للملهمين.

هو حاجة للحياة الحلوة ، للوحدة البشرية وللسلام.

أسباب كبوته أن أهله لم يقدّروا نعمته وأنه لم يوفّق بالحكام.

يا مرحباً بأثقالنا!

يا مرحباً بصبرنا على أن يصان خلق ويمنع!

أيها السادة!

دعوتنا اليوم إعادة البلد السعيد الى شعبه المنهوك ، الى أصدقائه المتيّـمين.

لنلتق عفوياً ، لنتفاهم على المبادلة ، لنتصارح.

فما يصيبك يا أخي يصيبني.
تلك هي رسالتنا.

ولنعِده الى الدنيا ، الى قلب الحضارة ، بوحدة وعنفوان وحرية واستقلال وكرامة وشمخة.

لبنان الخالد نحبه كما لو غاب ولم يخلد.

من كلمة الدكتور جوزيف لبكي، في مؤتمر ” دولة لبنان الكبير (1920 – 1996) – 75 سنة من التاريخ والمنجزات ” .
منشورات الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات التاريخية .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *